قال الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إن علم الرواية والإسناد يمثلان أحد أهم الأسس التي اعتمد عليها المسلمون في حفظ النصوص الدينية ونقلها عبر الأجيال، مؤكدا أن التثبت من الروايات لم يقتصر على الأحاديث النبوية، وإنما امتد إلى نقل القرآن الكريم وقراءاته المختلفة.
علم الرواية ونقل القرآن الكريم
وأوضح خالد الجندي، خلال تقديمه برنامج لعلهم يفقهون على قناة DMC، أن قراءة القرآن الكريم نفسها تقوم على علم الرواية، مستشهدا بقول المذيعين في إذاعة القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم أو برواية ورش عن نافع، مشيرا إلى أن علم الإسناد يبحث في سلسلة الرواة، ومنهم القراء وأئمة القراءات.
وأضاف أن علم الرواية انتقل جيلا بعد جيل فيما يعرف بالتواتر، موضحا أن أمة تنقل عن أمة وأجيال تنقل عن أجيال، وهو ما أسهم في حفظ القرآن الكريم وضبط ألفاظه وقراءاته، بما يمنع إدخال نصوص أو ألفاظ غير موجودة في المصحف المتواتر.
وأكد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن المسلمين لديهم منظومة علمية للتعامل مع الروايات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أن العلماء ميزوا بين الحديث الصحيح والضعيف والحسن والغريب والمشهور والعزيز والموضوع.
العلماء ميزوا الأحاديث الموضوعة
وأشار خالد الجندي إلى أن الحديث الموضوع يعني الحديث المكذوب، موضحا أن علماء الحديث ألفوا كتبا متخصصة في الأحاديث الموضوعة، بهدف حصر الروايات المكذوبة والتعريف بها حتى لا تختلط بالأحاديث الصحيحة.
وأوضح أن هذه المنظومة العلمية تجعل من الصعب على أي شخص أن ينسب كلاما من عنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقدمه باعتباره حديثا، لأن العلماء يستطيعون البحث في الرواية والحكم عليها وفقا لقواعد علم الحديث.
الفرق بين القرآن والسنة في التوثيق
وتحدث خالد الجندي عن الفرق بين القرآن الكريم وبقية النصوص الدينية، موضحا أن عقيدة المسلمين تقوم على أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الذي تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه حرفا ولفظا وسطرا وكلمة.
وأشار إلى أن السنة النبوية تختلف من حيث درجات الروايات، ففيها الصحيح والضعيف وغير ذلك من أنواع الحديث، وهو ما يجعل علم الحديث والإسناد ضرورة للتعرف على الروايات وقيمتها العلمية.
الرد على شبهة غياب الأحاديث قبل البخاري
ورد خالد الجندي على الشبهة المتعلقة بوجود فترة زمنية بين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتدوين الإمام البخاري للأحاديث، مؤكدا أن القول بأن المسلمين لم تكن لديهم أحاديث خلال هذه الفترة غير صحيح.
وأوضح أن الأحاديث النبوية كانت موجودة ومتداولة بين المسلمين قبل الإمام البخاري، وأن السلف كانوا يعرفونها ويروونها، كما وجدت كتب ومجاميع ومسانيد سبقت صحيح البخاري، إلا أن البخاري جمع الأحاديث في مصنفه وفق منهج علمي للتوثيق والتحقيق.
وشدد على أن الحديث عن وجود فترة زمنية مفقودة في تاريخ نقل الحديث النبوي، وأن الأحاديث لم تكن معروفة أو متداولة قبل تدوين كتب الحديث، يمثل تشويها للعقل العلمي والحقيقة.
الإسناد أساس التحقق من الروايات
وأكد خالد الجندي أن علماء الحديث وضعوا منهجا دقيقا للتحقق من صحة الأحاديث، موضحا أن وجود وثيقة قديمة أو مخطوط منسوب إلى شخص عاش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني بالضرورة اعتمادها كمصدر موثوق.
وقال إن الباحث لا يكتفي بوجود الوثيقة أمامه، وإنما يبحث في حقيقة من كتبها، ومن نقلها، وما إذا كانت قد تعرضت للعبث أو الإضافة أو الحذف، مشيرا إلى أن الوثيقة يجب أن تكون قد انتقلت عبر سلسلة من الثقات والعدول.
وأوضح أن هذه السلسلة هي ما يعرف بالإسناد، أي معرفة من نقل الرواية عن من، ومن كتبها، ومن سمعها، ومن نقلها حتى تصل إلى صاحب النص، مستشهدا بالقاعدة الشهيرة: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
التحقق من المخطوطات
وأشار خالد الجندي إلى أن التحقق من المخطوطات لا يتوقف عند معرفة سلسلة الرواة، وإنما يشمل دراسة النسخ الخطية وتاريخ انتقالها، والتأكد من شهرة من نقلوها بالضبط والدقة والأمانة.
وأضاف أن علم تحقيق المخطوطات يهتم كذلك بنوع الورق والحبر المستخدم وطريقة الكتابة ونوع الخط، موضحا أن دراسة الخطوط يمكن أن تساعد في تحديد العصر الذي كتبت فيه المخطوطة، لافتا إلى تعدد أنواع الخط العربي، ومنها النسخ والرقعة والثلث والديواني والفارسي وغيرها.
توثيق كتب الحديث
وأوضح عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن كتب الحديث المشهورة، ومنها صحيح البخاري وصحيح مسلم، نقلت وفقا لمنظومة علمية تعتمد على التوثيق، مشيرا إلى أن صحيح البخاري الموجود بين أيدي المسلمين اليوم نقل عن الإمام البخاري من خلال طلابه الذين تلقوا الكتاب عنه وأجازهم في الرواية.
وأكد أن عملية نقل الكتب العلمية لم تتوقف عند المؤلف، وإنما استمرت عبر العلماء والطلاب والرواة، وصولا إلى النسخ المتداولة حاليا، بما يجعل دراسة الإسناد والرواية والتحقق من النسخ جزءا أساسيا من المنهج الذي اعتمده علماء الحديث في توثيق التراث النبوي.