في زمنٍ أصبح فيه التريند أحيانًا أهم من الرسالة، والصورة السريعة أهم من المعنى، وعدد المشاهدات معيارًا للشهرة حتى لو كان المحتوى فارغًا من أي قيمة، نحتاج من وقت إلى آخر أن نتوقف أمام نماذج تذكرنا بأن الإعلام في جوهره مسؤولية قبل أن يكون شهرة، ورسالة قبل أن يكون حضورًا، وتأثيرًا حقيقيًا قبل أن يكون مجرد ضجيج على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن بين هذه النماذج تبرز الإعلامية والصحفية الصينية ليو شين (Liu Xin) فهي واحدة من أشهر الوجوه في الإعلام الصيني الدولي، والتي استطاعت خلال زيارتها إلى مصر أن تقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا للإعلامية التي تعرف كيف تستخدم أدوات العصر الحديث في خدمة الصورة التي تنقلها عن المكان، لا في صناعة ضجة عابرة حول نفسها.
زيارة ليو شين إلى مصر جاءت بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني، لكنها لم تتعامل مع مصر باعتبارها مجرد محطة بروتوكولية أو خلفية لحدث سياسي، وإنما فتحت عينيها على مصر الإنسان والمكان والتفاصيل اليومية؛ مصر التي يعيشها الناس في الأسواق الشعبية، ويتذوقونها في الطعام، ويكتشفون روحها في الشوارع ودفء أهلها.
نشرت ليو شين مقاطع فيديو وصورًا من رحلتها، وبدت واضحة حالة الانبهار التي انتابتها بما شاهدته في مصر، خصوصًا كرم الشعب المصري وروحه الودودة، والأسواق الشعبية، والمأكولات المصرية، ولم تتردد في أن تخوض تجربة تذوق أطعمة مصرية ربما تبدو غريبة بالنسبة إلى الزائر الأجنبي، مثل الحمام والملوخية، إلى جانب إعجابها بالفواكه المصرية، ومنها المانجا والجوافة.

ليو شين في اسواق مصر الشعبية
وهنا تكمن أهمية التجربة، فليو شين لم تكن فقط تزور مصر، وإنما كانت، بصورة مباشرة وغير مباشرة، تقدم مصر إلى جمهورها، فحين تنشر إعلامية أو صحفية أجنبية صورة جميلة عن مصر، وتتحدث عن شعبها وكرمه، وتخوض تجربة الطعام المصري، وتقترب من الأسواق الشعبية، وتشارك جمهورها تفاصيل رحلتها، فهي لا تقدم محتوى ترفيهيًا فحسب، بل تقوم بدور مهم في الترويج السياحي والثقافي لمصر.
قد يقرر شخص في الصين أو في أي مكان آخر زيارة مصر بعدما شاهد تجربة صادقة لإعلامية يعرفها ويتابعها، وقد تتغير صورة ذهنية لديه عن بلد لم يزره من قبل، لأن إعلامية واحدة استطاعت أن تنقل إليه مصر بعيدًا عن الصور النمطية، ومن خلال تجربة إنسانية بسيطة وقريبة من الناس.
الشاشة أو في الفضاء الرقمي يمنحنا فرصة لتقديم صورة أكثر جمالًا ووعيًا عن وطننا، فلدينا بلد يمتلك ما يكفي من التاريخ والفن والثقافة والشوارع القديمة والأسواق الشعبية والمأكولات والحكايات والناس، بحيث تستطيع أي إعلامي أو إعلامية أن تصنع من التفاصيل الصغيرة محتوى إنسانيًا راقيًا يصل إلى ملايين المشاهدين.

ليو شين اشهر اعلامية صينية تزور مصر
ومن هنا أرى أن تجربة ليو شين في مصر تستحق أن تُقرأ باعتبارها درسًا إعلاميًا، فهي لم تحتج إلى افتعال أزمة، أو البحث عن لقطة مثيرة، أو صناعة محتوى فارغ حتى تلفت الانتباه، ويكفي أنها كانت طبيعية، فضولية، منفتحة على الثقافة المصرية، وقادرة على تحويل تجربتها الشخصية إلى حكاية تصل إلى جمهور واسع.
ليو رأت في مصر ما قد يعتاد المصري نفسه على رؤيته فلا ينتبه إلى جماله، فرأت الأسواق الشعبية بعين الزائر، وتذوقت الطعام المصري بروح المغامر، وتحدثت عن كرم الناس، ونقلت تفاصيل رحلتها إلى جمهورها، فكانت النتيجة أن ظهرت مصر في صور ومقاطع تحمل الدهشة والمحبة والفضول.
الشاشة ليست مرآة للشخص فقط، وإنما نافذة يطل منها الجمهور على العالم، فنحتاج أن نجعل من لقاء بسيط مع فنان مساحة للمعرفة، ومن رحلة داخل شارع قديم حكاية عن التاريخ، ومن طبق مصري مدخلًا للحديث عن الثقافة، ومن مدينة مصرية دعوة مفتوحة لاكتشاف جمالها.
الإعلام الحديث يحتاج إلى السرعة والبساطة والقدرة على جذب الجمهور، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التريند هو الهدف، وليس الوسيلة.
روجت للمأكولات المصرية وصورتها ووضعتها عبر صفحتها
لقد قدمت ليو شين نموذجًا يمكن أن نستفيد منه ، وهي أن تكون أفرب للناس دون ابتذال، وعصرية دون سطحية، وقدرة على صناعة محتوى ممتع يحمل في الوقت نفسه قيمة ورسالة، وربما أجمل ما في التجربة أنها جاءت من إعلامية أجنبية، تنظر إلى مصر بعين جديدة، فتذكرنا نحن المصريين بأن في بلدنا أشياء كثيرة تستحق أن نحتفي بها ونقدمها للعالم.
ليو شين لم تأتِ إلى مصر لتبحث عن تريند، لكنها صنعت تأثيرًا، وهنا الفارق كله، فالإعلامية الحقيقية ليست من تركض خلف التريند، وإنما من تجعل الناس يركضون خلف الفكرة، وتلك، في رأيي، هي الرسالة التي يجب أن نتعلمها من تجربة ليو شين.
وهذه السيرة المهنية لـ ليو شين ، فهي مذيعة رئيسية في شبكة CGTN: تقدم برنامج الرأي السياسي والحواري الشهير "The Point with Liu Xin" على شبكة تلفزيون الصين الدولية الناطقة بالإنجليزية، انضمت إلى التلفزيون المركزي الصيني (CCTV) عام 1997، وعملت لسنوات طويلة كمراسلة دولية ورئيسة لمكتب القناة في جنيف بسويسرا بين عامي 2011 و2016، واكتسبت شهرة دولية واسعة عام 2019 عندما دخلت في مناظرة تلفزيونية مباشرة حظيت بمتابعة الملايين مع المذيعة الأمريكية "تريش ريجان" على قناة Fox Business حول الحرب التجارية بين أمريكا.