تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أخطر موجات تفشي فيروس إيبولا، بعدما تجاوز عدد الإصابات المؤكدة 8 آلاف حالة، فيما اقتربت الوفيات من 4 آلاف وفاة، وسط استمرار ظهور إصابات جديدة واتساع نطاق انتشار الفيروس إلى مناطق وأقاليم إضافية.
وأظهرت أحدث البيانات الحكومية، التي نقلتها وكالة رويترز، وصول عدد الحالات المؤكدة إلى 8067 إصابة، مقابل 3901 وفاة، في تفشٍ ناجم عن سلالة «بونديبوجيو»، أصبح، وفق البيانات المنشورة، الأكبر والأكثر فتكًا في تاريخ الكونغو الديمقراطية.
وتزداد صعوبة احتواء التفشي بسبب طبيعة السلالة المسببة للمرض، إذ لا يوجد حتى الآن لقاح مرخص أو علاج نوعي معتمد مخصص لفيروس بونديبوجيو، بينما تعمل منظمة الصحة العالمية وشركاؤها على اختبار لقاحات وعلاجات مرشحة.
8 آلاف إصابة و3901 وفاة
تكشف أحدث الأرقام عن ارتفاع سريع في حصيلة الوباء خلال أسابيع قليلة. فحتى 23 سبتمبر، كانت منظمة الصحة العالمية قد سجلت 7890 إصابة مؤكدة و3799 وفاة، في 63 منطقة صحية موزعة على 7 أقاليم.
وبحلول 28 سبتمبر، تجاوزت الإصابات حاجز 8 آلاف حالة، لتصل إلى 8067 إصابة، بينما ارتفع عدد الوفيات إلى 3901 حالة، وفق بيانات السلطات الصحية الكونغولية.
وتعكس هذه الأرقام استمرار انتقال الفيروس، رغم تكثيف عمليات الرصد والعزل وتتبع المخالطين وإجراءات مكافحة العدوى.
63 منطقة صحية في 7 أقاليم
لم يعد التفشي محصورًا في بؤرته الأولى، بل امتد إلى مناطق واسعة من شرق وشمال البلاد. وبحسب منظمة الصحة العالمية، سجلت الإصابات في 63 منطقة صحية داخل 7 أقاليم، هي إيتوري، وكيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، وهوت-أويلي، وباس-أويلي، وتشوبو، وسود-أوبانجي.
وتبرز المخاوف بصورة خاصة مع ظهور حالات في مناطق قريبة من الحدود، بينها منطقة دونجو في إقليم هوت-أويلي، المحاذية لجنوب السودان، إضافة إلى مناطق في سود-أوبانجي.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن حركة السكان عبر الحدود، بما في ذلك المعابر غير الرسمية، تمثل تحديًا أمام اكتشاف الحالات مبكرًا ومنع انتقال العدوى إلى دول أخرى.
إيتوري مركز التفشي وكيفو الشمالية تسجل زيادة
لا تسير وتيرة الوباء بالمعدل نفسه في جميع المناطق. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن إقليم إيتوري، الذي يمثل بؤرة التفشي الرئيسية، شهد تراجعًا نسبيًا في الإصابات بعد بلوغها مستويات مرتفعة خلال يوليو.
في المقابل، سجلت كيفو الشمالية ارتفاعًا في الحالات خلال سبتمبر، قبل ظهور مؤشرات على انخفاض الإصابات في أحدث البيانات المتاحة.
وتشير المنظمة إلى أن إيتوري ظلت حتى 20 سبتمبر مسؤولة عن نحو 76.9% من إجمالي الحالات المؤكدة، وهو ما يؤكد استمرار ثقل التفشي في الإقليم، رغم ظهور بؤر أخرى.
سلالة بلا لقاح مرخص
يمثل نوع الفيروس تحديًا إضافيًا للسلطات الصحية، فالوباء الحالي ناجم عن فيروس بونديبوجيو، وهو أحد أنواع فيروس إيبولا، لكن لا يوجد حتى الآن لقاح مرخص خصيصًا للوقاية من هذا النوع، كما لا يوجد علاج نوعي معتمد له.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن لقاح Ervebo، المستخدم ضد فيروس إيبولا زائير، لا يحمل ترخيصًا للاستخدام ضد بونديبوجيو.
لكن توجد أدلة من الدراسات الحيوانية تشير إلى احتمال توفيره بعض الحماية، وهو ما دفع السلطات الكونغولية، بدعم من منظمة الصحة العالمية ومنظمة أطباء بلا حدود، إلى إطلاق برنامج تطعيم بحثي خلال سبتمبر.
ويهدف البرنامج إلى جمع بيانات علمية حول مدى فعالية اللقاح ضد السلالة الحالية، وليس اعتباره لقاحًا معتمدًا ضد بونديبوجيو.
تجارب لتطوير لقاحات وعلاجات
في الوقت نفسه، تعمل المؤسسات البحثية الدولية على تطوير لقاحات مخصصة لفيروس بونديبوجيو، مع التحضير لتجارب سريرية لتقييم سلامتها وفعاليتها.
كما حدد خبراء منظمة الصحة العالمية عددًا من العلاجات المرشحة التي يمكن اختبارها خلال التجارب السريرية، من بينها أجسام مضادة وحيدة النسيلة مثل MBP134 وMaftivimab، إلى جانب مضاد الفيروسات Remdesivir.
وتشمل الأبحاث كذلك دراسة استخدام Obeldesivir للوقاية بعد التعرض للفيروس.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه المنتجات لا تزال قيد البحث والتقييم، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها علاجات مثبتة أو معتمدة لمرض بونديبوجيو.
267 مليون دولار من الولايات المتحدة
ومع ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات، تكثفت المساعدات الدولية للكونغو الديمقراطية، واعلنت الولايات المتحدة في 23 سبتمبر تقديم 267 مليون دولار إضافية لدعم جهود مكافحة الوباء، تشمل إنشاء وتجهيز وحدات لعلاج إيبولا، ودعم فرق الدفن الآمن، وتوفير معدات الوقاية الشخصية، وتعزيز المراقبة الصحية وتتبع المخالطين.
وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، دعمت واشنطن إنشاء وتشغيل 23 مركزًا متخصصًا لعلاج إيبولا، إلى جانب دعم 235 منشأة صحية في المناطق المتضررة أو المعرضة للخطر.
7.5 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي
كما أعلنت المفوضية الأوروبية في 26 سبتمبر تخصيص 7.5 مليون يورو للكونغو الديمقراطية لدعم الاستجابة لتفشي إيبولا.
وقالت المفوضية إن التمويل يستهدف دعم الاستجابة المباشرة للأزمة، إلى جانب تعزيز الاستعداد والقدرات الصحية والمراقبة على المدى الطويل.
وجاء التمويل ضمن حزمة أوروبية أوسع تبلغ نحو 710 ملايين يورو لدعم النازحين والمجتمعات المتضررة في إفريقيا والاستجابة لأزمات إنسانية عالمية.
خطر يتجاوز حدود الكونغو
تتجاوز تداعيات التفشي الحدود الكونغولية، في ظل حركة السكان بين الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية في مايو أن تفشي مرض إيبولا الناجم عن فيروس بونديبوجيو في الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا.
ولا يعني هذا التصنيف أن المرض أصبح جائحة، لكنه يعكس تقدير المنظمة لضرورة تعزيز التنسيق الدولي والاستعداد لمنع انتشار الفيروس عبر الحدود.
وتعمل السلطات الصحية على تعزيز الفحص والمراقبة في المطارات والمعابر البرية والموانئ، إلى جانب تتبع المخالطين والكشف المبكر عن الحالات.
سباق بين الانتشار والاستجابة
وتكشف البيانات المتتابعة عن سرعة تصاعد التفشي؛ ففي 22 يونيو كانت الكونغو الديمقراطية قد سجلت 1094 إصابة مؤكدة و277 وفاة، ثم ارتفع العدد في 9 أغسطس إلى 4381 إصابة و2011 وفاة.
وفي 26 أغسطس، وصلت الحصيلة إلى 5794 إصابة و2786 وفاة، قبل أن تبلغ في 23 سبتمبر 7890 إصابة و3799 وفاة، ثم تتجاوز 8 آلاف إصابة في 28 سبتمبر.
وتضع هذه التطورات السلطات الكونغولية وشركاءها أمام تحديات متعددة، تبدأ بالكشف المبكر والعزل والعلاج، ولا تنتهي بتتبع المخالطين وتعزيز مكافحة العدوى داخل المنشآت الصحية.
كما يمثل إشراك المجتمعات المحلية عنصرًا أساسيًا في الاستجابة، خاصة في المناطق التي تعاني من أزمات أمنية وإنسانية وحركة سكانية واسعة.
ومع تجاوز الإصابات 8 آلاف حالة واقتراب الوفيات من 4 آلاف، تتواصل الجهود الدولية لاحتواء التفشي، بينما تظل سرعة اكتشاف الحالات، وتطوير لقاح وعلاج مخصصين لسلالة بونديبوجيو، ومنع انتقال الفيروس عبر الحدود من أبرز التحديات أمام السيطرة على الوباء.