قالت أليسون كوزيت، خبيرة الذكاء الاصطناعي ومؤسسة ورئيسة شركة أمريكية متخصصة فى هذا القطاع، إن مصر أمام فرصة مهمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في دعم ريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أن ما شاهدته خلال مشاركتها في فعاليات "تكنى ساميت Techne Summit يعكس اهتماما والتزاما واسعا بكيفية احتضان التكنولوجيا وجعلها تعمل لصالح المجتمع المصري.

وحول زيارتها إلى مصر، أوضحت كوزيت أنها جاءت بدعوة من السفارة الأمريكية في إطار برنامج المتحدثين الأمريكيين، الذي يهدف إلى جلب خبراء في مجالات مختلفة لمشاركة الدروس والخبرات التي تم اكتسابها، وإظهار دعم الولايات المتحدة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في مصر.
وأضافت أن الزيارة تهدف أيضا إلى تقديم الخبرات والدعم للأشخاص المهتمين بالذكاء الاصطناعي والراغبين في دفع هذا المجال إلى الأمام.
وأشارت إلى أن قمة تكني تمثل المحور الرئيسي لزيارتها، إلى جانب العمل مع رواد الأعمال ومبادرات ريادة الأعمال، موضحة أن الجزء الأكبر من وقتها يتركز في القمم والفعاليات واللقاءات مع الشباب.

مصر وفرص الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال
وأوضحت كوزيت أنها لم تمض سوى بضعة أيام في مصر، ولذلك لا تعتبر نفسها خبيرة بالسوق المصرية، لكنها تحدثت عما سمعته وشاهدته خلال مشاركتها في القمة ، مشيرة إلى أن بناء منظومة لريادة الأعمال يعتمد على مجموعة من العناصر، من بينها دعم الحكومة ورأس المال والنظام التعليمي.
وأضافت أن ما لفت انتباهها هو مستوى الالتزام الموجود لدى المجتمع حول كيفية احتضان الذكاء الاصطناعي وجعله يعمل لصالح مصر، مشيرة إلى أن الحاجز أمام بدء تنفيذ فكرة أصبح منخفضا بصورة كبيرة.

الذكاء الاصطناعي والتنمية في الدول النامية
وحول إمكانية مساهمة الذكاء الاصطناعي في التنمية الاقتصادية بالدول النامية، قالت كوزيت إنها ليست خبيرة اقتصادية، لكنها ترى أن انتشار ريادة الأعمال يمثل عاملا مهما، لأنه يتيح للأشخاص التفكير في إنشاء مشروعاتهم بدلا من الاقتصار على العمل لدى شركات قائمة.
وأضافت أن الشركات الجديدة يمكن أن تنمو لتصبح شركات أكبر، ثم تتعامل مع عملاء وشركات على المستوى الدولي. وأشارت إلى أن الولايات المتحدة لديها برامج تهدف إلى تسهيل إتاحة مكونات منظومة الذكاء الاصطناعي خارج حدودها، موضحة أن تطوير هذه التكنولوجيا لا يتعلق بالنموذج وحده، وإنما يحتاج إلى فهم كيفية بنائه وتنفيذه، وكذلك احتياجات الحوسبة والبنية التحتية والمكونات المختلفة للمنظومة التقنية.

التتبع والإنسان في دائرة القرار
وفيما يتعلق بمخاطر الذكاء الاصطناعي، أكدت كوزيت أن أهم ما يجب التركيز عليه هو القدرة على تتبع قرارات الأنظمة وفهم ما تقوم به فعليا.
وأوضحت أن الشركات والمطورين عند بناء الأنظمة يجب أن يتتبعوا القرارات التي تتخذها، حتى يمكن معرفة ما إذا كانت تعمل وفقا لما تم تصميمها من أجله أم أنها تتحرك في اتجاه مختلف، مشيرة إلى أن أهمية ذلك تزداد مع تطور الأنظمة لتصبح أكثر استقلالية.
واستشهدت بالسيارات ذاتية القيادة في سان فرانسيسكو، موضحة أنها تستخدم سيارات الأجرة ذاتية القيادة، وأن هذه السيارات تعتمد على أجهزة استشعار ومعلومات متعددة، إلى جانب وجود إنسان في دائرة القرار.
وأكدت أن وجود الإنسان في الحلقة يظل عاملا مهما في التعامل مع المخاطر، لأن أي تكنولوجيا تنطوي على مخاطر، مثل الأدوية التي يصفها الأطباء، والتي تتضمن بدورها تحذيرات ومعلومات عن المخاطر.
وأوضحت أن القضية الأساسية هي الحفاظ على وجود الإنسان القادر على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، مشيرة إلى أنه حتى في السيارات ذاتية القيادة، إذا حدث أمر غير متوقع، يمكن التحكم فيها عن بعد، وبالتالي لا يكون الإنسان منفصلا عنها بصورة كاملة.
وقالت إن المفتاح يتمثل في تتبع ما يفعله النظام وفهمه، مع وجود الإنسان في دائرة اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

هل الذكاء الاصطناعي تهديد؟
وردا على سؤال حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدا في المستقبل، قالت كوزيت إن أي أداة قوية يمكن أن تحمل جوانب تتعلق بالمخاطر، لكنها ترى أن النقاش المتزايد حول هذه المخاطر يمثل أمرا مطمئنا.
وأوضحت أن ما يطمئنها هو إدراك الأشخاص والشركات التي تطور التكنولوجيا لمدى قوتها وتأثيرها المحتمل، مشيرة إلى النقاشات التي يشارك فيها عدد من رواد المجال.
وأشادت بما تقوم به شركة Anthropic من اختبارات لنماذجها قبل طرحها، خاصة عندما تكشف عن الحالات التي تمكنت فيها النماذج من القيام بأفعال غير متوقعة، معتبرة أن ذلك يعني أن الشركات تدفع حدود ما بنته لمعرفة مدى أمانه، كما تخبر الجمهور بما تستطيع هذه النماذج القيام به.
وقالت إن ما لا يريده الناس هو وجود أداة قوية في أيدي أشخاص لا يعرفون مدى قوتها.
الرعاية الصحية والزراعة
وقالت كوزيت إن مستقبل الذكاء الاصطناعي يرتبط بالنسبة لها بطبيعة المشكلات التي أصبح من الممكن حلها بفضل التكنولوجيا.
وأوضحت أن الرعاية الصحية يمكن أن تشهد تأثيرا كبيرا، خاصة في اكتشاف الأدوية، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي تسريع عملية كانت تتطلب طرح فكرة ثم اختبارها في سلسلة طويلة من الخطوات.
وأضافت أن أهمية الذكاء الاصطناعي لا تتمثل فقط في اكتشاف فكرة، وإنما في إتاحة هذه الفكرة أمام العلماء والباحثين للتحقق منها من خلال الاختبارات العلمية الصارمة.
وأشارت أيضا إلى إمكانات استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة، من خلال أجهزة استشعار داخل التربة لمعرفة حالتها واحتياجاتها، وكذلك في الغذاء وسلاسل الإمداد، مثل تحليل الظروف المناخية التي قد تجعل منطقة معينة أكثر عرضة للخطر وتعديل الإمدادات وفقا لذلك.
الذكاء الاصطناعي وسوق العمل
وحول تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على الوظائف، قالت كوزيت إن هناك وظائف ومهاما ستكون أكثر عرضة للأتمتة، مثل بعض مهام خدمة العملاء وبعض المهام النصية الصغيرة.
لكنها أوضحت أن تحول الوظائف لا يعني بالضرورة اختفاءها، داعية العاملين إلى التفكير في الخبرة التي يمتلكونها وكيف يمكنهم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيعها وجعل عملهم أكثر قيمة.
وأشارت في المقابل إلى أن هناك أعمالا قد تختفي، معتبرة أن ذلك يمكن أن يكون مفيدا عندما يتعلق الأمر بالوظائف المملة أو القذرة أو الخطرة، مثل العمل في البيئات السامة أو الخطرة على البشر، حيث يمكن استخدام الروبوتات بدلا من الإنسان.
الشفافية والخصوصية
وأكدت كوزيت أن التتبع وقابلية التدقيق يمثلان مفتاح الشفافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي وبناء الثقة فيها، موضحة أنه يجب أن يكون من الممكن معرفة كيفية وصول النظام إلى نتيجة معينة وتحديد النقطة التي حدث فيها الخلل إذا لم يعمل كما هو متوقع.
وفيما يتعلق بالخصوصية وحماية البيانات، قالت إن هذه ليست قضية جديدة، مشيرة إلى أن الدول والمناطق المختلفة طورت أطرها الخاصة للتعامل معها، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي.
ودعت المستخدمين إلى قراءة شروط وأحكام أدوات الذكاء الاصطناعي وغيرها من الخدمات الرقمية، موضحة أنها قدمت استشارات لشركة اكتشفت أن أحد مزودي الخدمات كان سيحصل على حق الوصول إلى بياناتها واستخدامها، وهو أمر كان يتعلق بملكيتها الفكرية.
وأضافت أن المستخدم يستطيع الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي نفسها لفهم شروط الاستخدام ومعرفة المخاطر المحتملة.
مستقبل الذكاء الاصطناعي
واختتمت كوزيت رؤيتها بالتأكيد على أنها لا تتعامل مع مستقبل الذكاء الاصطناعي بتفاؤل ساذج، وإنما تصف نفسها بأنها "واقعية متحمسة"، موضحة أنها تدرك قوة التكنولوجيا والتحديات المرتبطة بها.
وقالت إن كل تكنولوجيا تمر بتحديات ومرحلة من النمو، لكن السؤال الذي يثير حماسها هو: ما الذي أصبح ممكنا الآن ولم يكن ممكنا من قبل؟
وأكدت أن الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا حاليا يمكن أن تساعد البشر على التعامل مع مشكلات لم يكن من الممكن حلها سابقا، داعية إلى التركيز على كيفية استخدام هذه الإمكانات بصورة مفيدة ومسؤولة.