يتوجه السويسريون، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع للتصويت على قضية ترتبط بواحدة من أشهر سمات بلادهم منذ نحو قرنين، وهي الحياد.
لكن السؤال المطروح على الناخبين لا يتعلق بالتخلي عن الحياد أو الاحتفاظ به، وإنما بما إذا كان ينبغي جعل هذا الحياد أكثر صرامة، عبر إدخال قواعد جديدة إلى الدستور تقيد قدرة الحكومة على فرض عقوبات على الدول المنخرطة في الحروب، وتحد من تعاونها العسكري مع تحالفات مثل حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ويجري التصويت ضمن نظام الديمقراطية المباشرة الذي يسمح للمواطنين بطرح تعديلات دستورية إذا تمكن أصحاب المبادرة من جمع 100 ألف توقيع صحيح خلال 18 شهرًا.
وبالفعل، نجح مؤيدو ما يعرف بـ«مبادرة الحياد» في جمع التوقيعات اللازمة، لتصل القضية في النهاية إلى استفتاء وطني، رغم معارضة الحكومة والبرلمان السويسريين للمقترح.
وبذلك يجد السويسريون أنفسهم أمام سؤال لم يكن مطروحًا بهذه الحدة قبل سنوات قليلة: هل تكفي قواعد الحياد التي أدارت بها البلاد سياستها الخارجية لعقود، أم ينبغي منع الحكومات المقبلة دستوريًا من اتخاذ خطوات قد تجعل سويسرا، في نظر أصحاب المبادرة، أقرب إلى أحد أطراف الصراعات الدولية؟
أوكرانيا تعيد فتح ملف الحياد
تقف الحرب الروسية الأوكرانية في خلفية الجدل الذي قاد إلى تصويت اليوم.
فبعد اندلاع الحرب في فبراير 2022، اتخذت الحكومة السويسرية قرارًا غير معتاد بالنسبة إلى كثيرين داخل البلاد، عندما تبنت معظم العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا.
وجمدت سويسرا أصولًا روسية وطبقت قيودًا اقتصادية ومالية متوافقة إلى حد كبير مع الإجراءات الأوروبية.
الحكومة السويسرية أكدت أن العقوبات الاقتصادية لا تتعارض مع القانون المنظم للحياد، وأن الدولة المحايدة لا تصبح طرفًا في الحرب لمجرد فرضها عقوبات اقتصادية.
لكن القرار فجّر نقاشًا داخليًا بشأن الحدود الفعلية للحياد.
واعتبر حزب الشعب السويسري، أكبر أحزاب البلاد ومن أبرز القوى الداعمة للمبادرة، أن تبني العقوبات الأوروبية يمثل ابتعادًا عن الحياد التقليدي، وأن ترك تفسير الحياد للحكومة يسمح بتغييره وفق الظروف السياسية.
ومن هنا ظهرت فكرة وضع تعريف أكثر صرامة داخل الدستور نفسه، بحيث لا يصبح تطبيق الحياد خاضعًا بالدرجة نفسها لاجتهاد الحكومات المتعاقبة.
ماذا يريد أصحاب المبادرة؟
إذا وافق السويسريون على المبادرة، سيضاف إلى الدستور نص يحدد أن حياد البلاد «دائم ومسلح».
لكن الجزء الأكبر من هذا التعريف لا يمثل جديدًا في حد ذاته؛ فسويسرا بالفعل دولة محايدة بصورة دائمة، ولديها جيش مكلف بالدفاع عن أراضيها واستقلالها.
التغيير الحقيقي يتعلق بما تستطيع الحكومة القيام به أثناء الصراعات الدولية.
فالمبادرة تنص على ألا تنضم سويسرا إلى أي تحالف عسكري أو دفاعي، وألا تتعاون مع مثل هذه التحالفات، إلا إذا تعرضت لهجوم عسكري أو أصبح الهجوم عليها وشيكًا.
كما تمنعها من المشاركة في النزاعات المسلحة بين دول أخرى.
والأهم أنها تمنع الحكومة من فرض عقوبات على الدول المشاركة في الحروب، باستثناء العقوبات التي يقررها مجلس الأمن الدولي، إلى جانب السماح بإجراءات تمنع استخدام الأراضي أو النظام المالي السويسري للتحايل على العقوبات الدولية.
ماذا سيحدث لعقوبات روسيا؟
هنا يظهر أحد أكثر الآثار المباشرة المحتملة للتصويت. فالحكومة السويسرية تقول صراحة إنه إذا وافق الناخبون على المبادرة، فمن المفترض وفق نصها أن يجري أيضًا رفع العقوبات الحالية المفروضة على الدول المنخرطة في الحرب.
ويعني ذلك عمليًا أن سويسرا لن تستطيع الاستمرار في تطبيق العقوبات الأوروبية على روسيا بالشكل الحالي.
كما لن تستطيع في نزاعات مستقبلية الانضمام بصورة مستقلة إلى عقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي أو مجموعة من الدول الغربية على أحد أطراف الحرب، ما لم تكن تلك العقوبات صادرة عن مجلس الأمن.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بسبب حق النقض الذي تتمتع به القوى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ومن بينها روسيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وهو ما يجعل التوصل إلى عقوبات أممية في النزاعات التي تكون إحدى هذه القوى طرفًا فيها أكثر صعوبة.
وماذا عن الناتو؟
سويسرا ليست عضوًا في حلف شمال الأطلسي، ولا تلزمها معاهدة دفاع مشترك مع دوله.
لكن عدم العضوية لا يعني عدم وجود تعاون.
فبرن تشارك منذ عام 1996 في برنامج «الشراكة من أجل السلام» التابع للناتو، وتتعاون دوليًا في مجالات تشمل التدريب العسكري وتطوير قدرات القوات المسلحة وتبادل الخبرات والمشاركة في جهود دعم السلام.
والسياسة السويسرية الحالية تسمح بمثل هذا التعاون طالما أنه لا يضع البلاد أمام التزام يمكن أن يجرها إلى حرب.
أما المبادرة الجديدة فتريد وضع قيود أشد على التعاون مع التحالفات العسكرية في وقت السلم.
وترى الحكومة أن انتظار وقوع هجوم قبل السماح بالتعاون العسكري سيكون متأخرًا، وأن الجيش يحتاج إلى التدريب وتبادل المعلومات والخبرات مع دول أخرى قبل ظهور أي تهديد مباشر.
ولهذا تعتبر الحكومة أن المقترح قد يؤدي، بدلًا من حماية الحياد، إلى إضعاف قدرة سويسرا على الدفاع عن نفسها.
المؤيدون: الحياد لا يحتمل أنصاف الحلول
على الجانب الآخر، يرى مؤيدو المبادرة أن المشكلة تكمن تحديدًا في المرونة التي تدافع عنها الحكومة.
فبالنسبة إليهم، لا يمكن لدولة أن تعلن نفسها محايدة ثم تنضم إلى عقوبات اقتصادية يفرضها طرف في مواجهة طرف آخر، أو توسع تعاونها العسكري مع تحالف يمثل أحد أطراف الصراع الجيوسياسي في أوروبا.
ويقول الداعمون إن تثبيت القواعد في الدستور سيمنع الحكومات من تغيير مفهوم الحياد تبعًا للضغوط والأزمات الدولية، ويحافظ على قدرة سويسرا على العمل وسيطًا يمكن لجميع الأطراف الوثوق به.
وحصلت المبادرة أيضًا على تأييد معلن من الكرملين، في ظل اعتراض موسكو منذ 2022 على مشاركة سويسرا في العقوبات الغربية المفروضة عليها.
الحكومة: الحياد ليس عزلة
أما الحكومة والبرلمان فيرفضان المبادرة. ويقول المجلس الفيدرالي إن سويسرا لا تحتاج إلى تعريف جديد للحياد، وإن الممارسة الحالية أثبتت قدرتها على حماية استقلال البلاد ومصالحها لأكثر من 180 عامًا.
وبحسب الحكومة، فإن المشكلة في المقترح ليست في المبادئ التي يكرر بعضها قواعد مطبقة بالفعل، وإنما في تحويل الحياد إلى منظومة جامدة تقلل قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات.
وتؤكد برن أن القانون الدولي للحياد يمنع الدولة المحايدة من المشاركة عسكريًا في الحرب أو منح أحد أطرافها أفضلية عسكرية، لكنه لا يفرض عليها الامتناع عن العقوبات الاقتصادية.
كما ترى أن الانضمام إلى عقوبات واسعة ضد دولة تنتهك القانون الدولي لا يعني التخلي عن الحياد العسكري.
استطلاعات تميل إلى الرفض
ورغم الجدل الذي صاحب المبادرة، تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن تمريرها يواجه معارضة واسعة.
فأظهر استطلاع أجرته مؤسستا «20 Minuten» و«Tamedia» أن نحو 68% من المشاركين يعتزمون رفض المبادرة، فيما أظهرت استطلاعات أخرى أيضًا تقدم المعسكر المعارض. لكن القرار النهائي يعود إلى صناديق الاقتراع.
ولأن المقترح تعديل دستوري قُدم في صورة مبادرة شعبية، فإن تمريره يحتاج إلى ما يعرف في النظام السويسري بـ«الأغلبية المزدوجة»: أغلبية أصوات الناخبين على المستوى الوطني، وأغلبية أصوات الكانتونات.
حياد باقٍ.. والخلاف حول معناه
مهما كانت نتيجة التصويت، لن تستيقظ سويسرا غدًا دولة غير محايدة.
فالحياد السويسري معترف به دوليًا منذ القرن التاسع عشر، ومكرس في نظام البلاد السياسي والدستوري، وتؤكد الحكومة وكذلك أصحاب المبادرة التمسك به.
الخلاف يدور حول شيء آخر، مقدار الحرية التي ينبغي أن تمتلكها سويسرا وهي محايدة.
هل تستطيع معاقبة دولة تخوض حربًا دون أن تصبح خصمًا لها؟ وهل يمكنها التدريب والتعاون مع الناتو دون أن تصبح جزءًا منه؟ أم أن الحياد يفقد معناه إذا لم تبقَ الدولة على مسافة أكثر صرامة من جميع الأطراف؟
أسئلة ظلت لعقود قابلة للإجابة وفق ظروف كل أزمة.
لكن الحرب في أوكرانيا أعادتها إلى الداخل السويسري، وحولت خلافًا حول العقوبات على روسيا إلى مبادرة شعبية جمعت ما يكفي من التوقيعات لتغيير الدستور.
ولهذا لا يصوت السويسريون اليوم على بقاء حياد بلادهم.
إنهم يصوتون على القواعد التي ستحدد ما الذي تستطيع سويسرا فعله باسم هذا الحياد عندما تندلع الحرب المقبلة.