شهدت المحاكم العربية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في لجوء دفاع المتهمين بجرائم القتل العمد إلى طلب "عرض موكليهم على مصلحة الطب النفسي"، للكشف عن قواهم العقلية وقت ارتكاب الجريمة.
ويعد هذا الإجراء القانوني، الذي يتحول في كثير من الأحيان إلى ورقة رهان أخيرة لإفلات المتهم من عقوبة الإعدام، يثير تساؤلات قانونية وطبية وطبيعية واسعة في الشارع، حول مدى قدرة «المرض النفسي» على تغيير مسار الأحكام القضائية.
بين المادة القانونية التي تعفي المريض العقلي من المسؤولية الجنائية، وبين صرامة القضاء في كشف الحيل والادعاءات الهروبية، نفتح هذا الملف لنبين حقيقة ما يحدث خلف أبواب مصحات الفحص النفسي الشرعي.
القانون والطب النفسي.. متى يُعفى القاتل من العقاب؟
تتفق معظم التشريعات القانونية المستمدة من الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية على مبدأ "لا عقاب بلا وعي وإدراك".
وتنص المواد المتعلقة بامتناع المسؤولية الجنائية على أنه: لا يعاقب جنائياً الشخص الذي يعاني وقت ارتكاب الجريمة من اضطراب نفسي أو عقلي أفده الإدراك أو الاختيار.
ويوضح خبراء القانون أن هذا الإعفاء لا يعني براءة المتهم، بل يعني انعدام مسؤوليته، وبدلاً من إيداعه السجن أو تنفيذ حكم الإعدام بحقه، يتم إيداعه منشأة طبية للصحة النفسية والعقلية تحت إشراف قضائي حتى يبرأ، حرصاً على سلامة المجتمع.
ادعاء الجنون.. كيف تكشف اللجان الطبية؟
يعتقد بعض المتهمين أن مجرد إثارة ملف المرض النفسي أو البكاء والادعاء بالهلوسة داخل المحكمة كافٍ للهروب من المشنقة، إلا أن الواقع الطبي والشرعي يثبت عكس ذلك تماماً.
عندما تستجيب المحكمة لطلب الدفاع، يُحال المتهم إلى لجنة ثلاثية أو خماسية من كبار أساتذة الطب النفسي الشرعي (مثل مستشفى العباسية في مصر أو الجهات الطبية الرسمية المقابلة في الدول الأخرى)، حيث يوضع المتهم تحت الملاحظة الدقيقة لفترة تتراوح بين 15 إلى 45 يوماً. وتعتمد اللجان على آليات صارمة لكشف "التمارض".
تشمل:
الملاحظة السلوكية على مدار الساعة: مراقبة تصرفات المتهم وتفاعله مع الحراس والنزلاء الآخرين دون علمه.
الاختبارات النفسية والعصبية المتطورة:
استخدام تقارير لقياس مستوى الذكاء، ورسم المخ، والتحاليل الطبية لاستبعاد أي تأثير للمخدرات.
مطابقة تفاصيل الجريمة: يدرس الأطباء طريقة التخطيط للجريمة؛ فالقاتل الذي خطط، ورتب، وأخفى أدوات الجريمة، وهرب بعد ارتكابها، يُظهر سلوكاً إدراكياً واعياً يصعب معه قبول ادعاء "الجنون المفاجئ".
الفارق الحاسم:
المرض النفسي لا يلغي الإعدام دائمًا يفجر أطباء الطب النفسي الشرعي مفاجأة للكثيرين؛ وهي أن ليس كل مرض نفسي يعفي من عقوبة الإعدام.
هناك فارق جوهري يصنعه التقرير الطبي:
الذهان العقلي (الجنون):
مثل الفصام الحاد أو الضلالات الاضطهادية التي تجعل المتهم منفصلاً تماماً عن الواقع ولا يدرك ماهية أفعاله (هذا فقط ما قد ينجي من الإعدام).
الاضطرابات الشخصية والنفسية:
الاكتئاب، أو القلق، أو الشخصية السيكوباتية (المعادية للمجتمع)، أو الغضب العارم. هذه الاضطرابات قد تجعل الشخص عنيفاً، لكنها لا تعدم إدراكه، وبالتالي يظل مسؤولاً جنائياً ويواجه عقوبة الإعدام كاملة.
كلمة الفصل للقضاء في النهاية، يظل التقرير الطبي الاستشاري صادراً عن جهة فنية، لكن "المحكمة هي الخبير الأعلى في الدعوى". للقاضي الحق في الأخذ بالتقرير أو طرحه جانباً إذا اطمأنت المحكمة من الأدلة وشهود العيان إلى أن المتهم كان بكامل وعيه وقت ارتكاب الجريمة.
وعلى هذا فإن الكشف الطبي النفسي ليس "تأشيرة هروب مجانية" من حبل المشنقة، بل هو ميزان دقيق للعدالة يضمن ألا يُعدم شخص سُلبت إرادته وعقله، وفي الوقت نفسه يمنع المجرمين القتلة من التستر وراء رداء المرض النفسي الزائف.