في خضم الانشغال بالخطاب الأيديولوجي لجماعة الإخوان الإرهابية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بلا إجابة كافية: من أين يأتي المال؟ وكيف يتحرك؟ الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والقيادى المنشق عن الجماعة الارهابية، إبراهيم ربيع، يرى أن الإجابة لا تكمن في "الواجهات الخيرية" التقليدية التي طالما حذّرت منها التقارير الأمنية، بل في بنية مالية أكثر تعقيداً وخطورة، نظام مصرفي موازٍ يعمل خارج القنوات الرسمية ويتقاسم البنية التحتية ذاتها مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
القاهرة للتجارة العامة عقدة مالية واحدة وضحايا كثر
في 23 يوليو 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، فرض عقوبات على شركة "القاهرة للتجارة العامة"، الخاصة بالجماعة الإخوانية بالخارج، بتهمة نقل مئات الآلاف من الدولارات. لكن اللافت في ملف العقوبات ليس حجم الأموال المحوّلة، بل هوية العملاء الآخرين الذين استفادوا من خدمات الشركة ذاتها.
وثائق الخزانة، التي حللها" إبراهيم ربيع" بالاستناد إلى بيانات OFAC ووثائق وزارة العدل الأمريكية، تكشف أن القاهرة للتجارة العامة كانت مكتب صرافة خارج النظام المصرفي يقدم خدماته بعملات تقليدية وعملات مشفرة على حد سواء، وكان من بين عملائه شبكة الجريمة المنظمة السويدية "فوكستروت" أحد أخطر التنظيمات الإجرامية في أوروبا.
يقول "ربيع"ما نراه هنا ليس تمويلاً إرهابياً بالمعنى الضيق هذه بنية تحتية مالية مشتركة. تُستخدم لغسل عائدات المخدرات في السويد. هذا هو النموذج الجديد غسيل الأموال كخدمة، حيث يصبح الإرهابي والمجرم العادي يعملان تحت مظلة واحدة.
مخاطر استراتيجية: كيف تتشابك "فوكستروت" مع الإخوان؟
أوضح الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن شبكة فوكستروت، بقيادة روا مجيد المعروف "الثعلب الكردي" اشتهرت في السويد بحرب عصابات دامية خلّفت قتلى وجرحى من المدنيين، وبتحويل الأرباح إلى إسبانيا وقبرص وتايلاند لشراء عقارات فاخرة. لكن الأهم هو الأثر المتبادل عندما تتعامل شبكة إرهابية مع شبكة إجرامية، لا يقتصر الأمر على تشارك القنوات المالية، بل يحدث تسرب للمعرفة والخبرات. مضيفا، فوكستروت أتقنت فنون التخفّي المالي، واستخدام الشركات الوهمية، والتحويلات عبر المحافظ الرقمية. والإخوان بدورهم، يمتلكون شبكة علاقات أوروبية، هذا الزواج ينتج كياناً مالياً هجيناً أكثر قدرة على المراوغة من أي منهما بمفرده.
أكثر من 80% من الدول تشكو البنوك السرية
وكشف "القيادى المنشق"، أن هناك تقرير صادر عن مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) في سبتمبر 2026، كشف النقاب عن أن أكثر من 80% من الدول المبلغة صنفت البنوك السرية ونظام الحوالة ضمن القنوات الرئيسية لغسل الأموال. وفي بعض الحالات، تم غسل أكثر من 500 مليون يورو عبر هذه الأنظمة في غضون أشهر قليلة. مؤكدا أن هذه بيانات ميدانية من تحقيقات جنائية في أكثر من 50 دولة. والمقلق أن التقرير نفسه يوثق كيف أن هذه الشبكات لم تعد تعمل بشكل تقليدي، بل تحوّلت إلى حوالات رقمية تدار عبر تطبيقات مشفرة مثل واتساب وتيليجرام، وتُسوى أرصدتها بعملات مستقرة لتحاشي تقلبات الأسعار ورقابة البنوك.
والشبكة الإخوانية هنا كما أوضح" ربيع" ليست مجرد مستخدم لهذه البنية، بل عنصر أصيل فيها. وثائق البنك المركزي المصري لعام 2026، التي ألزمت شركات الصرافة بتطبيق نظام" goAML " للإبلاغ الرقمي، لم تأت من فراغ. هي جزء من سباق تسلح مالي عالمي، حيث تحاول السلطات اللحاق بالسرعة التي تتحرك بها هذه الشبكات.
خطر مزدوج الجنسية
وأوضح "ربيع"، أن ما يجعل ملف التمويل الإخواني أخطر من كونه تمويلاً لإرهاب فقط، هو أنه تمويل إرهاب وجريمة منظمة في آن واحد. نفس المكتب، نفس المحافظ الرقمية، نفس الوسطاء، يخدمون أهدافاً سياسية وأرباحاً إجرامية. وهذا يخلق تحدياً مزدوجاً للأجهزة الأمنية، فملاحقة شبكة إرهابية تحتاج أدوات استخباراتية. وملاحقة شبكة جريمة منظمة تحتاج أدوات مالية وقضائية. عندما تندمج الاثنتان، تصبح المواجهة معركة على جبهتين، في وقت واحد، وبأدوات مختلفة. والسؤال لم يعد كيف نمول الإخوان؟ بل كيف نفكك بنية تحتية مالية تشترك فيها جماعة إرهابية مع عصابات المخدرات الأوروبية؟ هذا هو مستوى التحدي الحقيقي.