السيرة الهلالية فى اليونسكو.. كيف تحولت ملحمة بنى هلال من حكايات يرددها شعراء الربابة فى الصعيد والدلتا والقاهرة إلى تراث عالمى؟.. و150 تسجيلًا لـ50 شاعرًا وراويًا قبل إدراجها على قائمة التراث الثقافى

السبت، 26 سبتمبر 2026 08:00 م
السيرة الهلالية فى اليونسكو.. كيف تحولت ملحمة بنى هلال من حكايات يرددها شعراء الربابة فى الصعيد والدلتا والقاهرة إلى تراث عالمى؟..  و150 تسجيلًا لـ50 شاعرًا وراويًا قبل إدراجها على قائمة التراث الثقافى الشاعر الشعبي جابر أبو حسين

أحمد إبراهيم الشريف

السيرة الهلالية واحدة من أبرز صور الأدب الشعبي العربي الحي، ظلت لقرون يتناقلها الرواة والشعراء شفهيًا، وتنتقل من قرية إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، حتى أصبحت مصر المكان الذي حافظ على أدائها الموسيقي المتكامل في الوقت الذي تراجع فيه هذا الشكل من الأداء في مناطق أخرى من العالم العربي.

وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، أُعلنت السيرة الهلالية عام 2003 ضمن "روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية"، ثم أُدرجت عام 2008 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، لتصبح أول عنصر مصري موجود حاليًا على قوائم التراث الثقافي غير المادي للمنظمة.

ولم يأت وصول السيرة إلى القائمة الدولية من دون عملية جمع وتوثيق واسعة، إذ تكشف وثائق اليونسكو الخاصة بالجمعية المصرية للمأثورات الشعبية أن مشروع جمع وتوثيق وحماية السيرة الهلالية أسفر عن  150 تسجيلًا من 50 شاعرًا، صاحبتها صور وتسجيلات فيديو، لتتحول الروايات الشفهية التي ظلت محفوظة في صدور الشعراء إلى مادة موثقة يمكن حفظها ودراستها ونقلها إلى الأجيال التالية.

ماذا تحكي السيرة الهلالية؟

تروي السيرة قصة بني هلال وهجرتهم من شبه الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا، وما ارتبط بهذه الرحلة من صراعات وحروب وتحالفات وقصص حب وثأر وبطولة، وتضم عددًا كبيرًا من الشخصيات التي تحولت أسماؤها إلى جزء من الذاكرة الشعبية العربية، وفي مقدمتها أبو زيد الهلالي ودياب بن غانم والجازية الهلالية والزناتي خليفة.

وتقول اليونسكو إن بني هلال سيطروا لأكثر من قرن على مساحة واسعة في وسط شمال أفريقيا قبل هزيمتهم أمام خصومهم، لكن التاريخ الذي تقف وراءه السيرة لم يبق في الكتب فقط، وإنما أعادت الذاكرة الشعبية تشكيله في صورة ملحمة شعرية ضخمة يضيف إليها الرواة، ويعيدون ترتيب أحداثها وطريقة تقديمها بحسب البيئة والجمهور.

وتصف المصادر المتخصصة السيرة بأنها ليست رواية واحدة ثابتة، وإنما مجموعة من الروايات والأشكال، إذ ارتبطت بالصعيد صيغة شعرية تعتمد بصورة خاصة على «المربع»، بينما ظهرت في الدلتا أشكال أخرى للأداء، إلى جانب صيغة كانت معروفة في القاهرة خلال القرن التاسع عشر، وهو ما جعل الجغرافيا المصرية جزءًا من تشكيل السيرة نفسها، وليس مجرد مكان لعرضها.

لماذا تعد مصر حالة خاصة في تاريخ السيرة؟

تكمن أهمية التجربة المصرية في أن السيرة الهلالية كانت يومًا منتشرة في مناطق واسعة من الشرق الأوسط، إلا أن اليونسكو تؤكد أن أداءها في صورتها الموسيقية المتكاملة اختفى من أماكن أخرى، فيما بقي مستمرًا في مصر.

ومنذ القرن الرابع عشر على الأقل، أدى شعراء السيرة أبياتها بالغناء مصحوبة بآلة إيقاع أو بالربابة ذات الوترين، وكانت الليالي الهلالية تقام في حفلات الزواج والختان والجلسات الخاصة والمناسبات الاجتماعية، وقد يمتد الأداء أيامًا كاملة.

ولم يكن شاعر السيرة مجرد شخص يحفظ نصًا طويلًا ويردده؛ فقد كان عليه أن يتقن الشعر والحكي والعزف والارتجال، وأن يعرف كيف يعيد تقديم الأحداث بما يتلاءم مع جمهوره.

وتشير اليونسكو إلى أن الشاعر المحترف كان يبدأ تدريبه تقليديًا وهو في نحو  الخامسة من عمره، وتستمر فترة التلمذة قرابة عشر سنوات، يتدرب خلالها على الحفظ وإتقان الآلة الموسيقية والأداء، قبل أن يصبح قادرًا على تقديم السيرة أمام الجمهور.

150 تسجيلًا من 50 شاعرًا

وتكشف أرقام مشروع التوثيق حجم المادة التي كان مطلوبًا إنقاذها من الاعتماد الكامل على الذاكرة الشفهية.

فوفق الوثائق المقدمة إلى اليونسكو، جمعت الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية 150 تسجيلًا من خمسين شاعرًا، ولم تقتصر عملية الجمع على الصوت، وإنما صاحبتها مواد فوتوغرافية وفيديو، ضمن مشروع استهدف جمع السيرة وتوثيقها وحمايتها.

وتوضح خرائط توثيق التراث المتوسطي أن السيرة عرفت في مصر في الصعيد والدلتا والقاهرة، مع اختلافات في بنية الرواية وطريقة الأداء بين منطقة وأخرى؛ فالرواية في صعيد مصر ارتبطت بصورة واضحة بشعراء الربابة وفن المربعات، بينما عرفت الدلتا طرقًا أخرى في الحكي والغناء، كما كان للقاهرة شكل من رواية السيرة عرف خلال القرن التاسع عشر.

ومن هنا لم يكن التوثيق تسجيل «نسخة واحدة» من السيرة، وإنما محاولة للحفاظ على تنوعها، وعلى اختلاف أصوات الشعراء وطرق الحكي واللهجات والإيقاعات والآلات المستخدمة في الأداء.

الأبنودي وجابر أبو حسين.. من الليالي الشعبية إلى الإذاعة

وإلى جانب مشروع التوثيق المؤسسي، ارتبط اسم الشاعر عبد الرحمن الأبنودي بواحدة من أبرز عمليات جمع السيرة الهلالية في العصر الحديث.

وبدأ الأبنودي رحلته مع السيرة بعد نكسة 1967، متنقلًا وراء شعرائها ورواة نصوصها، ومسجلًا ما بقي محفوظًا في صدورهم، قبل أن يوسع عملية البحث إلى مناطق مختلفة في مصر والعالم العربي.

وكان جابر أبو حسين واحدًا من أشهر شعراء السيرة الذين ارتبط بهم الأبنودي؛ إذ قدم الاثنان عددًا كبيرًا من الحلقات عبر الإذاعة المصرية خلال سبعينيات القرن العشرين، وهو ما نقل صوت شاعر الربابة من ليالي الصعيد إلى جمهور أوسع في أنحاء مصر.

ولد جابر أبو حسين في إخميم بمحافظة سوهاج عام 1916، وأصبح واحدًا من أشهر رواة السيرة في صعيد مصر، وامتاز بقدرته على إعادة صياغة السيرة وفق الأشكال الشعرية المعروفة في الصعيد، ومنها المربع والموال، مع العزف على الربابة.

وارتبط الأبنودي بالشاعر سيد الضوي، أحد أشهر من واصلوا أداء السيرة على الربابة، لتستمر رحلة النص بين الراوي الشعبي والشاعر والباحث ووسائل الإعلام.

السيرة لا تعيش بالحفظ وحده

ورغم الاعتراف الدولي والتوثيق، فإن اليونسكو تشير إلى تحدٍ أساسي يواجه السيرة الهلالية، وهو تناقص عدد المؤدين القادرين على تقديمها في شكلها التقليدي الكامل.

وترجع المنظمة ذلك إلى منافسة وسائل الإعلام والترفيه الحديثة، وإلى تراجع أعداد الشباب المستعدين لخوض عملية تدريب شاقة وطويلة، بالإضافة إلى اتجاه بعض المؤدين إلى تقديم مقاطع قصيرة تناسب العروض السياحية والفولكلورية بدلًا من الرواية الطويلة المتكاملة.

وفي تقرير دوري نشرته اليونسكو عن حالة العنصر بعد تسجيله، أشارت إلى أن عدد عروض السيرة والرواة المحليين لم يشهد زيادة كبيرة، رغم نمو الوعي بها بين الشباب، وأنها ما زالت تؤدى في المناطق الريفية بصور تجمع بين النثر والشعر والغناء، بينما أصبحت أقل حضورًا في المراكز الحضرية.

وهنا تظهر أهمية التوثيق؛ فالتسجيلات الـ150 لم تكن بديلًا عن شاعر السيرة، لكنها أصبحت ذاكرة تحفظ أصوات جيل من المؤدين وطريقة أدائهم في لحظة كانت فيها هذه المعرفة معرضة للتراجع.

من شاعر الربابة إلى قائمة اليونسكو

قطعت السيرة الهلالية رحلة طويلة قبل أن تصل إلى قوائم اليونسكو؛ بدأت في المجالس والقرى والأفراح والمقاهي الشعبية، وحفظها شعراء حملوا الربابة وتنقلوا بين الجمهور، ثم وصلت إلى الإذاعة والكتب ومشروعات التسجيل والتوثيق، قبل إعلانها عام 2003 واحدة من روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية، ثم إدراجها رسميًا عام 2008 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي.

وتبقى خصوصية السيرة الهلالية في أنها لم تصل إلى اليونسكو باعتبارها نصًا أدبيًا قديمًا فقط، وإنما بوصفها تراثًا حيًا يعتمد على الإنسان الذي يؤديه؛ فالشاعر وصوته وربابته وطريقة ارتجاله وتفاعل الجمهور معه كلها أجزاء من العنصر التراثي نفسه.

ولهذا فإن الحفاظ على السيرة لا ينتهي بتخزين 150 تسجيلًا أو وضع اسمها على قائمة دولية، وإنما يستمر بوجود من يتعلمها ويرويها ويغنيها ويمنحها حياة جديدة.

فالقيمة الكبرى للسيرة الهلالية ليست فقط في أنها تحكي رحلة بني هلال قبل قرون، وإنما في أن المصريين استطاعوا عبر أجيال متتالية أن يحفظوا هذه الرحلة بالصوت والشعر والربابة، حتى وصلت من أفواه الرواة إلى ذاكرة العالم.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة