لم يعد القلق الأوروبي من التهديد الروسي مرتبطًا فقط بالحرب في أوكرانيا أو بالحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي، بل بات يمتد إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا يمكن أن تصل إلى قلب أوروبا من البحر المتوسط. فقد أثار تقرير نشرته صحيفة «إل موندو» الإسبانية حديثًا عن تحذير استخباراتي أمريكي من احتمال تنفيذ روسيا عمليات بطائرات مسيرة ضد إسبانيا أو فرنسا أو إيطاليا، نقاشًا واسعًا حول قدرة الدول الأوروبية على حماية بنيتها التحتية في مواجهة حرب هجينة يصعب أحيانًا تحديد بدايتها أو مصدرها.
استخدام سفن تجارية تخفى طائرات مسيرة
وبحسب التقرير الإسباني، فإن السيناريو المفترض يقوم على استخدام سفن تجارية لإخفاء طائرات مسيرة من طراز «جيربيرا» داخل حاويات، قبل إطلاقها من البحر المتوسط باتجاه أهداف ساحلية. وتقول المعلومات المنقولة عن مصدر قريب من وزارة الدفاع الليتوانية إن هذه الطائرات يمكن أن تصل إلى سواحل الدول المستهدفة خلال فترة قصيرة إذا أُطلقت من المياه الدولية. إلا أن التقرير لم يقدم دليلًا علنيًا يثبت أن العملية قيد التنفيذ، كما لم يتم التحقق منه بشكل مستقل، وفقا لتقرير نشرته صحيفة الكونفدنثيال الإسبانية.
وتكمن أهمية السيناريو المطروح في طبيعة السلاح نفسه. فطائرات «جيربيرا» صغيرة نسبيًا، ويصل مداها، وفق المعلومات المنشورة، إلى نحو 600 كيلومتر، ما يسمح نظريًا بإطلاقها من مسافات بعيدة عن الساحل. ولا يعني ذلك بالضرورة قدرة على تنفيذ هجمات استراتيجية واسعة، إذ تشير التقارير إلى أن حمولتها المتفجرة محدودة، لكن استخدامها ضد منشأة مكشوفة أو مطار أو ميناء قد يؤدي إلى تعطيل مؤقت أو أضرار مادية وإثارة اضطراب اقتصادي وسياسي.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الضعف تعقيدًا بالنسبة إلى أوروبا: البنية التحتية المدنية. فالمطارات والموانئ والمنشآت الصناعية ومحطات الطاقة وشبكات النقل تعتمد على أنظمة يمكن أن تتأثر حتى بهجوم محدود. ولذلك فإن الخطر لا يرتبط بحجم الانفجار وحده، وإنما بقدرة هجوم صغير ومنخفض التكلفة على إحداث تأثير أكبر بكثير من حجمه العسكري.
فرنسا تنفى تلقى المعلومات
لكن التطور الأبرز في هذه القصة هو أن التحذير نفسه لم يحظَ بتأكيد رسمي من الدول التي قيلإنها تلقت المعلومات. فقد نفى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن تكون وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد أبلغت الأجهزة الفرنسية بعملية روسية محتملة من هذا النوع، فيما نفى وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو وصول تحذير مماثل إلى روما، وقال إن المعلومات المتداولة لم تجد تأكيدًا.
وهذا النفي لا يلغي المخاوف الأوسع بشأن التهديدات الهجينة، لكنه يفرض فصلًا واضحًا بين أمرين: وجود قلق أوروبي حقيقي من تصاعد العمليات الهجينة، وبين صحة السيناريو المحدد الذي نشرته «إل موندو». فالاثنان ليسا بالضرورة الشيء نفسه.
وتأتي القصة في وقت كانت فيه باريس تتعامل بالفعل مع ما تعتبره تصاعدًا في الأنشطة الروسية داخل أوروبا. ففي 18 سبتمبر، أعلن ماكرون أن التهديد الروسي الهجين ضد فرنسا وأوروبا «تكثف»، وطلب من حكومته إعداد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية من هجمات الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية. كما أشار إلى هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطار لايبزيج/هاله في ألمانيا في أغسطس، وقالت السلطات الألمانية إن روسيا تقف وراءه، بينما ترفض موسكو هذه الاتهامات.
وفي هذا السياق، تتحول الطائرات المسيرة من مجرد أداة عسكرية مستخدمة في ساحات القتال إلى عنصر في معادلة أمنية أوسع. فالدول الأوروبية لا تواجه فقط احتمال استهداف عسكري مباشر، وإنما احتمال استخدام عمليات محدودة لتعطيل الخدمات، وإرباك الأسواق، ورفع تكلفة الحماية، وإجبار الحكومات على توزيع مواردها الأمنية على عدد متزايد من المنشآت.
كما أن الحديث عن استخدام سفن تجارية يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالسفن المدنية تتحرك في بيئة مفتوحة وتخضع لقواعد الملاحة التجارية، ما يجعل مراقبة كل حركة بحرية بحثًا عن نشاط عدائي مهمة شديدة الصعوبة. وإذا ثبت مستقبلًا استخدام هذا الأسلوب، فسيعني ذلك أن الحدود بين النشاط المدني والعسكري ستصبح أكثر ضبابية، وهو ما يمثل تحديًا لأجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية.
ولا يبدو أن الخطر، وفق المعطيات المتاحة حاليًا، يتمثل في توقع هجوم روسي مؤكد على جنوب أوروبا، بل في اتساع قائمة السيناريوهات التي يتعين على الحكومات الاستعداد لها. ولهذا تكتسب إجراءات حماية البنية التحتية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة المجالين الجوي والبحري أهمية متزايدة.
وبينما تبقى رواية «إل موندو» بحاجة إلى تأكيد مستقل، فإن الجدل الذي أثارته يكشف تحولًا أعمق في البيئة الأمنية الأوروبية: لم تعد الدول تستعد فقط لحرب تقليدية يمكن تحديد ساحاتها وأطرافها، بل لعمليات منخفضة التكلفة وعالية التأثير، قد تبدأ بطائرة مسيرة صغيرة وتنتهي بإغلاق مطار أو تعطيل ميناء أو إرباك منشأة حيوية.