تأهب الخديو توفيق للعودة إلى القاهرة بعد هزيمة «جيش عرابى» على أيدى القوات الإنجليزية فى التل الكبير يوم 13 سبتمبر 1882، ثم دخولها القاهرة يوم 14 سبتمبر إعلانا باحتلالها واحتلال مصر الذى استمر حتى توقيع اتفاقية الجلاء فى 19 أكتوبر 1954.
كان «توفيق» يقيم فى الإسكندرية أثناء فترة الحرب، وتلقى رسائل المهنئين واستقبل وفودهم فى مقر إقامته بسراى رأس التين، وكان الاحتلال أصبح واقعا، وتوفيق وأعوانه يحتفلون به استمرارا لخيانتهم، وفى حسابات هذه الخيانة أنهم حققوا انتصارا، ويحتفلون به، وهو التصرف الذى يسخر منه عبدالرحمن الرافعى فى كتابه «الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزى»، قائلا: «الواقع أنه لم يكن ثمة ظفر ولا انتصار إلا للجيش البريطانى، وأن الخديو لم يعد إلى عاصمة ملكه إلا بحماية الإنجليز، وفى ظلال سيوفهم ورماحهم، وإذا كان قد تغلب على عرابى وصحبه، فإنه فى الوقت نفسه قد أفقده العرش بهاءه ومجده».
ركب «توفيق» قطارا خاصا صباح الاثنين 25 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1882 ليقله إلى القاهرة، وفقا لأحمد شفيق باشا فى الجزء الأول من مذكراته «مذكراتى فى نصف قرن»، ويتتبع «شفيق» وقائع هذه الرحلة المخزية كشاهد عليها بوصفه أحد كبار الموظفين فى معية الخديو، قائلا: «استقل توفيق مركبته وبجانبه قنصل إنجلترا، من سراى رأس التين فى موكب حافل تحف بعربته قوة من خيالة الهنود برماحهم، وسوارى من الإنجليز والحرس الخديوى، على حين كانت الشوارع مزدحمة بالجماهير من أجانب ومصريين، والمحطة مكتظة بالمودعين من العلماء والذوات وكبار الموظفين، وبمجرد وصول سموه محطة الإسكندرية أطلقت المدافع إيذانا بالسفر فتحرك القطار، ولقى فى كل محطة مر بها ترحيبا من الأهلين، وشاهد كثيرا من معالم الزينة والفرح».
أعدت الحكومة فى القاهرة احتفالا فخما لاستقبال الخديو شارك فيه كل الذين قدموا فروض الولاء والطاعة للإنجليز، وتذكر «سليم النقاش» مشاهد هذا الاحتفال فى الجزء السادس من كتابه «مصر للمصريين»، قائلا: «تواردت الجماهير الكثيرة إلى المحافظة أفواجا فرادى وأزواجا، وكان فى طليعتهم فريق الأمراء والأعيان والعلماء والأعلام وعمد البلاد ووجهائهم مرتدين الملابس الرسمية، وكانت المحطة قد فرشت بالبساط الفاخر والطنافس الثمينة، ونثرت فيها الرياحين والأزهار، وانتظمت العساكر الإنجليزية صفوفا من المحطة إلى الشارع المؤدى إلى «نزل شبت» ثم منه إلى «مخفرة عابدين»، ومنها إلى الجهة الغربية إلى سراى محمود بك شقيق الخديو إلى سراى الإسماعيلية».
وصل «توفيق» وركبه وحاشيته ورئيس نظاره «وزراءه» شريف باشا ونظاره فى الساعة العاشرة والنصف صباحا، ويصف «النقاش» مشهد وصوله قائلا: «استقبلهم جمهور الحضور بالإجلال والتعظيم، وتقدم «رياض باشا» للقاء الخديو وتبعه سلطان باشا «رئيس مجلس النواب»، وتلاه لفيف العلماء، وأطلقت المدافع التى كانت معدة فى محطة السكة الحديد، ثم تلتها مدافع القلعة وصدحت الموسيقى بأنغام السلام الخديوية المخصوص، وبعد ذلك تقدم الشيخ عبدالهادى الأبيارى ودعا له، فأمن عليه الحاضرون، ثم تقدم «رياض باشا»، ونطق بمثل هذا الدعاء نطقا مختوما بقوله: «فليعش الجناب العالى مؤيَدا بالنصر والإجلال»، ثم توالت أصوات الدعاء من كل جانب وصوب، وبعد أن لبث فى المحطة زمنا قليلا سار فى مركبة خصوصية وإلى يساره «الدوق كونوغت» نجل ملكة إنجلترا، وأمامه الجنرال ولسلى قائد الجيش البريطانى، والسير إداورد مالت المعتمد البريطانى، وسار وراءه الفرسان الإنجليز وياورانه، وتبعه».
وفيما يزعم «شفيق باشا»، أنه رغم كل هذه الحفاوة «كان الألم باديا على وجه الخديو من رجوعه إلى عاصمة ملكه فى ظل الرماح الإنجليزية»، يذكر «الرافعى»: «الموكب الذى حمل الخديو من المحطة كان طابعه الاحتلال، وكانت ظواهره مهينة فلم يركب مع الخديو فى مركبته سوى الدوق أوف كونوت وجلس على يساره، والجنرال ولسلى والسير مالت وجلسا أمامهما، واصطفت الجنود الإنجليزية على جانبى الطريق من المحطة إلى شارع فندق شبرد، ومنه إلى قسم عابدين، ومنه غربا إلى سراى الأمير محمود باشا شقيق الخديو، ثم إلى سراى الإسماعيلية، وبلغ عددها نحو 5 آلاف جندى فكان اصطفافهم على هذا النحو وبهذه الكثرة إيذانا بأن الخديو دخل عاصمة ملكه فى حماية الجيش الإنجليزى أوفى أسره».
يؤكد الرافعى: «لا غرابة أن الوطنين شبهوا هذه العودة برجوع الملك لويس الثامن عشر إلى فرنسا حين دخل الحلفاء باريس سنة 1815، كما شبهوا ذهابه «توفيق» من قبل إلى الإسكندرية فى يونيو 1882 بفرار لويس السادس عشر إلى «فارين» إبان الثورة الفرنسية».
فى سراى الإسماعيلية أطلقت المدافع ذخيرتها إعلاما بوصول توفيق سالما، حسب وصف سليم النقاش، ويذكر شفيق: «أقيمت الزينات ثلاث ليال على دور الحكومة ومنازل الأهالى، وأطلقت الألعاب النارية».