لم تعد المواجهة الدولية مع جماعة الإخوان الإرهابية تقتصر على مراقبة خطابها أو نشاط واجهاتها السياسية والدعوية، وإنما اتجهت خلال السنوات الأخيرة بصورة متزايدة إلى الجانب المالي والقانوني، من خلال تشديد الرقابة على مصادر الأموال، وتجميد الأصول، ومراجعة أوضاع الجمعيات والكيانات المرتبطة بشبكات الإسلام السياسي.
ويبرز المسار المالي باعتباره أحد الأدوات الرئيسية التي تستخدمها بعض الحكومات في التعامل مع التنظيمات والشبكات التي تعتمد على تعدد الكيانات والواجهات وتوزيع أنشطتها بين أكثر من دولة، إذ تستهدف الإجراءات الحديثة الأشخاص والكيانات والأصول والعلاقات المالية، وليس فقط النشاط السياسي أو الدعوي المعلن.
وفي هذا السياق، شهد عام 2026 إجراءات أميركية استهدفت قيادات وكيانات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، بالتوازي مع تحركات أوروبية ركزت على مصادر التمويل الأجنبي، وشفافية الجمعيات، وآليات التعامل مع أموال وممتلكات الكيانات التي تخضع لإجراءات قانونية.
من ملاحقة الأفراد إلى تجفيف الموارد المالية
تكمن أهمية العقوبات المالية في أنها تستهدف البنية التي يمكن أن تسمح لأي تنظيم عابر للحدود بالاستمرار حتى في حال تعرض بعض قياداته للملاحقة أو إدراج أسمائهم على قوائم العقوبات.
فاستهداف شخص واحد لا يعني بالضرورة توقف النشاط إذا ظلت الشركات والجمعيات والحسابات والعقارات والمؤسسات المرتبطة به خارج نطاق الإجراء، بينما يؤدي توسيع العقوبات لتشمل الكيانات والأصول والمصالح المالية إلى تقليص مساحة الحركة أمام الشبكات المستهدفة.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية في يناير 2026 إجراءات ضد الفرعين المصري والأردني لجماعة الإخوان الإرهابية، في خطوة قالت واشنطن إنها تأتي ضمن سياستها للتعامل مع التنظيم وشبكاته. وبموجب النظام الأميركي للعقوبات، تصبح ممتلكات ومصالح الأشخاص والكيانات المدرجة الواقعة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أميركيين مجمدة، كما تفرض قيود على التعاملات المرتبطة بها.
وتشمل القواعد الأميركية كذلك بعض الكيانات التي تقع تحت ملكية أشخاص مدرجين بنسب محددة، وهو ما يجعل العقوبات تمتد في بعض الحالات إلى هياكل وشركات مرتبطة بالأشخاص المستهدفين.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى جماعة الإخوان الإرهابية، التي ارتبط نشاطها تاريخيًا بوجود كيانات وجمعيات ومؤسسات في أكثر من دولة، وهو ما يجعل تتبع الملكية والتحويلات والعلاقات المالية عنصرًا أساسيًا في الإجراءات التي تتخذها السلطات.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود هيكل مالي واحد ومتكامل في جميع الدول، إذ تختلف طبيعة العلاقات بين الأفراد والجمعيات والكيانات من دولة إلى أخرى، كما تختلف القواعد القانونية المنظمة للعمل الأهلي والديني.
لكن التطور اللافت يتمثل في انتقال بعض الحكومات من التركيز على النشاط السياسي أو الخطاب الفكري إلى التدقيق في مصادر الأموال، وهيكل الملكية، وطريقة إدارة الأصول، والعلاقات المالية بين الكيانات المختلفة.
أوروبا تشدد الرقابة على الجمعيات ومصادر التمويل
في أوروبا، تصاعد خلال السنوات الأخيرة النقاش حول نفوذ جماعات الإسلام السياسي وشبكاتها العابرة للحدود، بالتزامن مع اهتمام متزايد بمصادر تمويل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية ودرجة الشفافية المرتبطة بها.
وفي فرنسا، أُنجز تقرير حكومي حول جماعة الإخوان الإرهابية والإسلام السياسي، تناول طبيعة الشبكات المرتبطة بالتنظيم وأساليب نشاطها، إلى جانب العلاقات التي تربط بعض المؤسسات والكيانات بشبكات أوسع داخل أوروبا.
وأعقب التقرير اتخاذ إجراءات إضافية تتعلق بالجمعيات والأصول، حيث أعلنت السلطات الفرنسية في يوليو 2025 إنشاء آلية لتجميد الأصول، إلى جانب إجراءات تتعلق بممتلكات الجمعيات التي يتم حلها.
وتعكس هذه الإجراءات اتجاهًا نحو التعامل مع الجانب المالي باعتباره جزءًا من آليات مواجهة النفوذ التنظيمي، خصوصًا عندما ترى السلطات أن بعض الكيانات تستخدم تعدد المؤسسات والواجهات للحفاظ على النشاط أو نقل الموارد من إطار قانوني إلى آخر.
وفي الوقت نفسه، تظل هناك ضرورة للتمييز بين الجمعيات الدينية والمدنية التي تعمل بصورة قانونية وبين الكيانات التي تثبت الجهات المختصة وجود مخالفات قانونية أو مالية في نشاطها.
كما أن تشديد الرقابة على التمويل الأجنبي لا يعني تجريم التمويل في حد ذاته، وإنما يرتبط في الأساس بمدى شفافية مصدر الأموال، والجهة المستفيدة منها، وطبيعة استخدامها، ومدى الالتزام بالقوانين المنظمة للعمل الأهلي والمالي.
وتتجه المؤسسات الأوروبية كذلك إلى تعزيز التعاون بين الجهات المختصة بالرقابة المالية، وتبادل المعلومات حول التدفقات المالية والملكية الحقيقية للكيانات، بما يساعد على كشف التحويلات غير المشروعة أو محاولات إخفاء المستفيد الفعلي من الأموال.
العقوبات الأميركية تضيق مساحة الحركة أمام القيادات والكيانات
وفي يوليو 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات جديدة استهدفت محمود الإبياري، الذي وصفته بأنه قيادي بارز في جماعة الإخوان الإرهابية المصرية ومقيم في المملكة المتحدة، إلى جانب عدد من الأفراد والكيانات.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من الإجراءات الأميركية التي استهدفت خلال 2026 أفرادًا وكيانات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، بما يعكس استمرار التركيز على الجانب المالي والتنظيمي في التعامل مع الشبكات المرتبطة بالتنظيم.
وتتجاوز أهمية هذه الإجراءات مجرد إدراج أسماء جديدة على قوائم العقوبات، إذ إن تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية يمكن أن يؤثرا في قدرة الأشخاص والكيانات المدرجة على استخدام النظام المالي الأميركي أو الاستفادة من أصول موجودة داخل نطاق الاختصاص الأميركي.
كما أن تتبع الملكيات المباشرة وغير المباشرة يحد من إمكانية استخدام كيانات بديلة لإدارة الأموال أو الممتلكات، خصوصًا عندما تكون هناك صلات قانونية أو مالية يمكن للسلطات إثباتها.
وبذلك، يتحول الملف المالي إلى عنصر أساسي في التعامل الدولي مع جماعة الإخوان الإرهابية، بالتوازي مع الإجراءات القانونية والسياسية والأمنية.
وتكشف التطورات الأميركية والأوروبية خلال الفترة الأخيرة عن اتجاه متزايد نحو تشديد الرقابة على الجمعيات والكيانات ذات الصلات العابرة للحدود، مع التركيز على الشفافية المالية، ومصادر الأموال، والملكية الحقيقية للأصول، ومسارات التحويلات.
ويعني هذا التحول أن المواجهة لم تعد مرتبطة فقط بما تعلنه الجماعات أو المؤسسات من أهداف، وإنما أصبحت تشمل كذلك طريقة تمويلها، وهياكلها القانونية، والكيانات التي تدير أموالها وممتلكاتها.
ومع استمرار الإجراءات الأميركية والأوروبية، يتزايد الاعتماد على الأدوات المالية باعتبارها وسيلة للحد من قدرة الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية على إعادة ترتيب هياكلها أو نقل مواردها بين كيانات ودول مختلفة، في إطار تشديد أوسع للرقابة على الأموال والواجهات التنظيمية.