لم تعد معركة جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج تُدار من خلف شاشة واحدة، ولم يعد امتلاك قناة فضائية هو المقياس الحقيقي لقدرتها على التأثير، بعدما انتقلت أدواتها إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على بناء منظومة إعلامية موزعة بين منصات وشركات وأشخاص وكيانات قانونية وحسابات رقمية، تتكامل أدوارها في إنتاج الرسالة وتوزيعها وإعادة تدويرها، وفي هذا النموذج لا تظهر الجماعة بالضرورة في الواجهة، وإنما تحاول أن تترك مسافة بين التنظيم وبين الأداة، بحيث تبدو كل منصة وكأنها كيان منفصل، بينما يمكن أن تتقاطع في الرسائل والمفردات والزوايا والتوقيتات.
وهنا تظهر ملامح ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الظل» للإعلام الإخواني،منظومة لا تقوم فقط على المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، وإنما على البنية التي تسبق ظهوره أمام الكاميرا،من أين تأتي الموارد؟ من يدير عمليات الإنتاج؟ كيف تنتقل المواد بين المنصات؟ ومن يتولى إعادة تقديم الرسالة في صور متعددة؟ فالمذيع أو الفيديو المنشور ليس سوى الحلقة الأخيرة في دورة أطول تبدأ بالتمويل والإدارة واختيار الموضوع، ثم صناعة المادة، وصولًا إلى توزيعها على أكبر عدد ممكن من نقاط الوصول.
من القناة إلى المنظومة.. الإعلام لم يعد شاشة واحدة
اعتمدت الجماعة لسنوات على قنوات ومنصات خارجية ارتبطت بوجوه معروفة، لكن تغير البيئة السياسية والأمنية والإعلامية دفعها إلى البحث عن نموذج أكثر مرونة، فبدلًا من أن يكون النشاط مرتبطًا باسم واحد أو قناة واحدة، أصبحت الحاجة أكبر إلى شركات وكيانات وأشخاص يمكنهم إدارة أجزاء مختلفة من العملية، بما يسمح باستمرار النشاط حتى إذا تغيرت إحدى حلقاته.
هذه المرونة تجعل المنصة مجرد جزء من منظومة أكبر، فإذا أغلقت منصة يمكن نقل النشاط إلى أخرى، وإذا أصبح اسم أحد الأشخاص عبئًا يمكن استبداله، وإذا احتاج الكيان إلى إعادة ترتيب وضعه القانوني يمكن إعادة تشكيل الواجهة، وبذلك لا يصبح استمرار الرسالة رهينًا ببقاء الأداة نفسها، وإنما بقدرة الشبكة على إنتاج بدائل باستمرار.
لكن هذه الاستراتيجية تطرح مفارقة مهمة، فكلما حاولت المنظومة زيادة المسافة بين التنظيم والمنصة، احتاجت إلى مزيد من الوسطاء والكيانات والهياكل التي تربط بين الطرفين، ومع اتساع هذه الشبكة، تتعدد نقاط الاتصال التي يمكن من خلالها قراءة طبيعة النشاط، خصوصًا عندما تظل الرسالة والمفردات والزوايا متشابهة رغم اختلاف الأسماء.
المال قبل الكاميرا.. كيف يتحول التمويل إلى ماكينة إعلامية؟
لا يمكن تشغيل شبكة إعلامية عابرة للحدود بالاعتماد على الخطاب وحده، فهناك استوديوهات ومعدات وفرق إعداد وتصوير ومونتاج ومذيعون وتسويق رقمي وإدارة مواقع وحسابات وتكلفة مستمرة لإنتاج المحتوى وتوزيعه، ولهذا يصبح التمويل أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذه الصناعة، لأن المحتوى الذي يظهر للجمهور يحتاج إلى بنية مالية وإدارية كاملة حتى يستمر.
وفي هذا السياق، لا يتحرك المال بالضرورة بصورة مباشرة من جهة معلنة إلى منصة تحمل اسم الجماعة، وإنما يمكن أن يمر عبر شركات أو كيانات أو واجهات مختلفة، وهذا هو ما يجعل تتبع الملكية والعلاقات المالية جزءًا أساسيًا من فهم المشهد، بدلًا من الاكتفاء بمتابعة الأسماء التي تظهر على الشاشة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء الإجراءات الأمريكية التي شهدها عام 2026،ففي يناير أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج فرعي جماعة الإخوان في مصر والأردن ضمن إجراءاتها المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وقالت إن الخطوة تستهدف حرمانهما من الموارد المستخدمة في دعم الإرهاب. وفي يوليو أعلنت الوزارة إجراءات أخرى ضد شخصيات وكيانات قالت إنها مرتبطة بشبكات تمويل ودعم لحماس، مشيرة إلى استخدام واجهات خيرية وشبكات مالية عابرة للحدود لإخفاء وتحريك الأموال.
صناعة التأثير تبدأ قبل نشر الخبر
الجانب الأكثر أهمية في هذا النموذج لا يتعلق فقط بما تقوله المنصة، وإنما بكيفية صناعة المادة من الأساس، فالواقعة الواحدة يمكن اختيار زاوية محددة لها، ثم إنتاج محتوى حولها، وبعد ذلك إعادة صياغته في صورة فيديو قصير ومنشور وتعليق وعنوان، قبل توزيعه على مواقع وحسابات متعددة.
وبهذه الآلية تتحول المادة الواحدة إلى عشرات المنتجات الإعلامية، وقد يبدو للمستخدم أن الموضوع يحظى بموجة واسعة من النقاش، بينما يكون جزء من هذا الانتشار ناتجًا عن إعادة تدوير الرسالة ذاتها عبر منصات مختلفة.
وهنا تنتقل المعركة من «من يملك القناة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف تُصنع دورة الانتشار؟ لأن التأثير الرقمي لا يحتاج بالضرورة إلى منصة واحدة ضخمة، وإنما يمكن بناؤه من خلال شبكة من النقاط الصغيرة التي تعيد إنتاج الرسالة وتضخيمها، بحيث تتراكم المواد أمام الجمهور بصورة تجعلها تبدو أكثر حضورًا واتساعًا.
التنظيم الدولي.. البنية التي تمنح الشبكة مرونة الحركة
في الخلفية، يظل التنظيم الدولي للإخوان أحد المفاتيح المهمة لفهم الطبيعة العابرة للحدود لهذه المنظومة، مع ضرورة النظر إليه باعتباره شبكة تختلف فيها مستويات التنسيق والارتباط من دولة إلى أخرى، وليس بالضرورة مكتبًا مركزيًا يدير كل تفصيلة بصورة مباشرة.
السوشيال ميديا.. حين تتحول الرسالة الواحدة إلى عشرات الأصوات
الانتقال من القنوات الفضائية إلى المنصات الرقمية لم يكن مجرد تغيير تقني، وإنما أعاد تشكيل طريقة توزيع الرسالة، فبدلًا من انتظار الجمهور أمام قناة بعينها، يمكن للمحتوى أن يصل إليه عبر مقطع قصير أو منشور أو حساب أو صفحة، ثم يعاد إنتاج المادة نفسها بصيغ متعددة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه آثارها العكسية؛ فتكرار الرسالة يكشف أحيانًا وحدة المصدر أو وحدة التوجه، خاصة عندما تتكرر المفردات والزوايا والتوقيتات بصورة لافتة. وهنا تصبح كثرة المنصات سلاحًا ذا حدين: تمنح الرسالة قدرة أكبر على الانتشار، لكنها توفر في الوقت نفسه كمية أكبر من البيانات والأنماط التي يمكن تحليلها.
اقتصاد الظل.. الواجهة ليست هي القصة
القضية الأساسية إذن ليست في اسم القناة أو هوية المذيع، وإنما في الاقتصاد الذي يسمح بتشغيل المنظومة كلها، فخلف كل شاشة توجد تكلفة، وخلف كل منصة فريق، وخلف كل حملة محتوى عملية إنتاج وتوزيع، وخلف كل انتشار واسع شبكة من الحسابات والأدوات التي تعيد تقديم الرسالة.
ولهذا فإن تغيير أسماء الشركات أو الوجوه لا يغير بالضرورة طبيعة المنظومة، كما أن إغلاق منصة واحدة لا يعني اختفاء النموذج. فالقوة الحقيقية لهذه الشبكات تكمن في قدرتها على إعادة توزيع الوظائف عندما تتعرض إحدى حلقاتها للضغط.
وفي المقابل، كلما زادت الحاجة إلى الواجهات والوسطاء، زادت الحاجة إلى التمويل والتنسيق، وكلما زاد التنسيق ظهرت أنماط يمكن تحليلها، من تشابه الرسائل إلى تكرار المفردات وتزامن الحملات وانتقال المحتوى بين المنصات،وبذلك تتحول خريطة التمويل والإدارة والتوزيع إلى المفتاح الأهم لقراءة اقتصاد الظل الذي يسمح للماكينة الإعلامية الإخوانية بإعادة إنتاج أدواتها كلما تغيرت الوجوه والشاشات.