لم تعد ظاهرة الـ نينيو مجرد ظاهرة مناخية تثير القلق بشأن الطقس، إذ دخلت تداعياتها مرحلة أكثر حساسية بالنسبة إلى اقتصادات أمريكا اللاتينية، بعدما وصلت حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائى إلى مستويات استثنائية دفعت محللين إلى وصف الوضع بأنه "سوبر الـ نينيو".
وبحسب تقرير نشرته صحيفة لاراثون الإسبانية فإن درجات الحرارة فى المحيط الهادئ الاستوائى تسجل شذوذات تقترب من 3 درجات مئوية، وهي مستويات تتجاوز عتبات حرجة، ما يرفع احتمالات امتداد آثار الظاهرة إلى نهاية عام 2026 وبدايات 2027.
ولا تقتصر المخاوف على الأحوال الجوية، إذ يمكن أن تنتقل تداعيات الظاهرة إلى الأسواق والاقتصادات عبر الغذاء والطاقة، ما يزيد الضغوط التي تواجهها دول المنطقة فيما يتعلق بالتضخم والنشاط الاقتصادي.
الغذاء في مقدمة المخاطر
يمثل الغذاء أحد أبرز مسارات انتقال تأثيرات «إل نينيو» إلى اقتصادات الأسواق الناشئة، ومن بينها دول أمريكا اللاتينية. وتشير البيانات إلى أن مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» لأسعار الغذاء العالمية ارتفع بنسبة 2.5% على أساس سنوي في أغسطس، مدفوعًا خصوصًا بارتفاع أسعار السكر والحبوب.
وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه معدلات تضخم الغذاء في الأسواق الناشئة مستقرة نسبيًا، إلا أن التأثير الكامل للظاهرة المناخية لم يظهر بعد بصورة كاملة، وفق التقرير، بسبب وجود تأثيرات متأخرة قد تستمر في الظهور خلال الأشهر المقبلة.
وتختلف درجة التأثر من دولة إلى أخرى داخل أمريكا اللاتينية، وتشير المعطيات إلى وجود مؤشرات على ارتفاع تضخم أسعار الغذاء في المنطقة، مع تسجيل تشيلي أكبر زيادة بين الدول التي تناولها التقرير، بينما تبدو التطورات في المكسيك أكثر اعتدالًا.
وتزداد المخاطر بالنسبة إلى بعض السلع الزراعية التي ترتبط بشكل مباشر بالظروف المناخية، ومن بينها زيت النخيل والبن والذرة والأرز والسكر والكاكاو والقمح الأسترالي.
وتثير أوضاع زيت النخيل اهتمامًا خاصًا، بعدما تراجعت المخزونات العالمية منه إلى أدنى مستوى لها خلال عقد، وهو ما قد يدفع إلى ارتفاع أسعار زيت الصويا نتيجة تحول جزء من الطلب إليه كبديل.
كما تواجه سوق الكاكاو تحديات مرتبطة بالمحاصيل في غرب إفريقيا، في حين تهدد الأمطار المستمرة في الإكوادور الإمدادات العالمية لبعض المنتجات الزراعية، ما قد يزيد حساسية أسعار السلع الغذائية أمام أي اضطرابات جديدة في الإنتاج.
الطاقة الكهرومائية أمام اختبار صعب
ولا تتوقف تداعيات «سوبر إل نينيو» عند القطاع الزراعي، إذ تمثل الطاقة جبهة أخرى للقلق، خصوصًا في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على توليد الكهرباء من الطاقة الكهرومائية.
فالظاهرة يمكن أن ترتبط بموجات جفاف ونقص في المياه المتاحة داخل الخزانات والسدود، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض القدرة على إنتاج الكهرباء من المصادر الكهرومائية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في أمريكا اللاتينية، حيث تشكل الطاقة الكهرومائية جزءًا أساسيًا من مزيج الطاقة في عدد من الدول، ومن بينها الأرجنتين.
وفي حال تراجعت مستويات المياه في الخزانات، قد تضطر بعض الدول إلى الاعتماد بدرجة أكبر على مصادر أخرى لتوليد الكهرباء، وهو ما يمكن أن يرفع تكاليف إنتاج الطاقة، وينعكس بدوره على أسعار الكهرباء والتضخم العام.
ضغوط اقتصادية تتجاوز الغذاء والطاقة
وتشير هذه التطورات إلى أن تأثير «إلـ نينيو» يمكن أن يتجاوز الخسائر المباشرة التي تلحق بالمحاصيل أو تراجع إنتاج الكهرباء، ليصل إلى النشاط الاقتصادي الأوسع.
فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يفرض ضغوطًا إضافية على الأسر والشركات، بينما يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة إلى انتقال جزء من هذه الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات.
كما تواجه البنوك المركزية في المنطقة تحديًا إضافيًا إذا استمرت الضغوط التضخمية الناجمة عن السلع الأساسية، خصوصًا أن تأثير الظاهرة المناخية قد لا يظهر دفعة واحدة، بل يمكن أن يتطور تدريجيًا مع تغير المحاصيل ومخزونات السلع ومستويات المياه.
وتشير التوقعات الواردة في التقرير إلى أن آثار «إلـ نينيو» قد تستمر حتى نهاية 2026 وبدايات 2027، ما يجعل تطورات الطقس وأسعار السلع الزراعية ومستويات المياه في الخزانات من المؤشرات التي تحظى بمتابعة اقتصادية متزايدة.
وبذلك تواجه أمريكا اللاتينية ظاهرة مناخية قد تمتد آثارها من المحيط الهادئ إلى الأسواق، مرورًا بالغذاء والطاقة، في وقت تظل فيه مسارات التضخم والنشاط الاقتصادي مرتبطة بدرجة كبيرة بتطورات أسعار السلع الأساسية وتوافرها.