أكد الدكتور كريم درويش، استشاري الطب النفسي، أن الاختلاف بين الأجيال داخل بيئة العمل يرتبط باختلاف طريقة التفكير والتنشئة والمعلومات والإمكانيات المتاحة لكل جيل، مشيرًا إلى أن صراع الأجيال ليس ظاهرة جديدة، وإنما يتكرر مع اختلاف كل جيل عن الآخر.
اختلاف التنشئة والمعلومات يخلق تفاوتًا بين الأجيال
وأوضح استشاري الطب النفسي، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن كل جيل يتلقى تربية ومعلومات وإمكانيات مختلفة عن الجيل الذي سبقه، وهو ما يؤدي إلى اختلاف الأساليب والطرق المستخدمة في تناول الموضوعات والتعامل مع الأمور داخل بيئة العمل.
وأشار إلى أن لكل مرحلة عمرية أهدافًا واحتياجات مختلفة، موضحًا أن الشخص الأكبر سنًا والأكثر خبرة في بيئة العمل يكون هدفه في الغالب وضع نظام يساعد الأجيال الأصغر على التعلم والدخول في منظومة العمل، بما يجعل بيئة العمل أكثر إنتاجية.
البحث عن الاستقلالية جزء من احتياجات مرحلة الشباب
وأضاف أن الأجيال الشابة، ومن بينها الجيل الجديد، تبحث بصورة مستمرة عن الاستقلالية والحرية وإثبات الذات، موضحًا أن الشاب يسعى إلى إثبات كفاءته الذاتية، وهو ما قد يدفعه في بعض الأحيان إلى التمرد على القيود الموجودة. ولفت إلى أن الحديث عن رغبة الشباب في مزيد من الحرية لم يبدأ مع الجيل الجديد، وإنما كان موجودًا أيضًا لدى أجيال سابقة، حيث كانت هناك دائمًا رغبة في أن تكون بيئة العمل أكثر حرية وأقل تقييدًا.
وأوضح الدكتور كريم درويش أن حجم المعلومات والتعلم والإمكانيات المتاحة حاليًا أكبر بكثير مما كان موجودًا في السابق، مشيرًا إلى أن الشاب أصبح قادرًا على الوصول إلى كم كبير من المعلومات من خلال الحاسوب والإنترنت ومصادر المعرفة المتاحة.
وأكد أن سهولة الوصول إلى المعلومات جعلت البحث عن الاستقلالية والحرية أسرع بكثير من السابق، لكن امتلاك الإمكانيات والرغبة في الاستقلالية لا يعني بالضرورة أن الشخص يسير دائمًا في الاتجاه الصحيح.
اختلاف النظرة إلى نظام العمل يسبب صراعًا بين الأجيال
وأشار إلى أن ما يطلق عليه الجيل الأكبر اسم "النظام" قد يراه الجيل الأصغر على أنه قيود، بينما ما يراه الجيل الأصغر بحثًا عن الذات والكفاءة الذاتية قد يراه الجيل الأكبر نوعًا من التمرد. وأوضح أن الشاب يرى أنه قادر على تنفيذ العمل بطريقة أفضل وبأسلوبه الخاص وخارج القيود التي يضعها النظام، بينما يرى الشخص الأكبر سنًا أن النظام الذي وضعه قائم على خبرة وتجارب سابقة ويهدف إلى تعليم الآخرين وتقليل الأخطاء.
وأكد الدكتور كريم درويش أن التربية تلعب دورًا في طريقة تعامل الأجيال مع بعضها، لكنه شدد على أنه من الصعب اعتبار جميع الأجيال الأكبر سنًا غير قابلة للتعلم أو غير قادرة على التعامل مع الجديد.
وأوضح أن الحديث عن صراع الأجيال يتكرر كل عدة سنوات، مشيرًا إلى أن الأجيال السابقة كانت تسمع أيضًا أن الأجيال الجديدة لا تستطيع تحمل الإحباطات المختلفة، بينما الواقع أن الأجيال الجديدة تسعى إلى إثبات نفسها، وقد يظهر ذلك أحيانًا في صورة تمرد أو رفض للأنظمة القائمة.
الحل في الجمع بين النظام والأفكار الجديدة
وقال الدكتور كريم درويش إن السؤال حول ما إذا كان على الأجيال القديمة أن تتنازل وتتجه نحو الأجيال الجديدة، أو أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى الصبر والتعلم من الخبرات السابقة، هو سؤال مشروع في الاتجاهين، مؤكدًا أن الإجابتين صحيحتان.
وأوضح أن الجيل الجديد يمتلك دوافع للبحث عن حلول جديدة، كما يمتلك إمكانيات تساعده على ذلك، وهو ما يمكن أن يدفعه إلى العمل والإنتاج بصورة أكبر. وفي المقابل، أشار إلى أن الجيل الأكبر وضع أنظمة ونماذج للعمل أثبتت صحتها وإنتاجيتها وساهمت في تقليل نسبة الأخطاء، وبالتالي فإن المطلوب هو الجمع بين الطرفين.
وأكد أن بيئة العمل، رغم وجود نظام وسيستم واضح بها، يجب أن تسمح بظهور أفكار جديدة من وقت إلى آخر، مشددًا على ضرورة وجود التوازن بين النظام القائم والأفكار الجديدة. وأوضح أن بيئة العمل تمثل حاضنًا للاحتياجات النفسية والأفكار، ولذلك يجب أن تكون قادرة على استقبال الأفكار الجديدة وتنفيذها وألا تكون ثابتة وجامدة بصورة تمنع وجود الأجيال الجديدة داخلها، لأن ذلك يؤدي إلى فقدان الدوافع والإنتاجية التي يمكن أن يقدمها الشباب.
تقبل الاختلاف أساس الاحترام المتبادل
وأشار الدكتور كريم درويش إلى أن بناء الاحترام المتبادل بين الأجيال يبدأ بالتربية على تقبل المختلف، موضحًا أن دخول شخص جديد إلى الشركة بطريقة تفكير مختلفة لا يعني تلقائيًا أن طريقته سيئة. وأكد أن الجيل الأكبر يجب أن يدرك أن الشخص الأصغر قد يمتلك فكرة أفضل، أو إمكانيات ومصادر لم تكن متاحة للجيل السابق، ومن ثم يجب احترام ما يمتلكه من قدرات.
وفي المقابل، شدد على أن الجيل الأصغر يجب أن يتقبل اختلاف النظام الموجود، لأن هذا النظام مر بالكثير من الأخطاء وساهم في تفاديها، وبالتالي فإن اتباعه ليس أمرًا خاطئًا. وأضاف أن تقبل الاختلاف لا يجب أن يعتمد فقط على الصفات الشخصية للأفراد، وإنما يجب أن تكون بيئة العمل نفسها مصممة لحماية الاختلاف، طالما أن هذا الاختلاف لا يؤدي إلى الإضرار بالإنتاجية أو تعطيل العمل.
وأكد أن وجود بيئة عمل تسمح بالاختلاف وتستوعب الأفكار الجديدة، مع الحفاظ على الخبرات والأنظمة التي أثبتت نجاحها، يمثل الأساس لتحقيق التوازن بين الأجيال داخل العمل.