يكشف تتبع تحركات عبد الرحمن أبو دية عن دور يتجاوز دعم فعاليات والتحركات المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية، إلى منظومة أوسع توظف المال والإعلام والحشد في الخارج لخدمة أجندات تستهدف الدولة المصرية وصورتها أمام الرأي العام الدولي.
وخلف هذا المشهد، تتحرك دوائر تعمل على صناعة الروايات المفبركة وتمويلها والترويج لها، لتطرح طبيعة الأدوار التي يؤديها أبو دية والجهات المرتبطة به تساؤلات حول من يدير هذه التحركات، ومن يمول أدواتها، ولماذا تحرص بعض أطرافها على العمل بعيدًا عن الضوء، بينما تتصدر الواجهات الإعلامية والميدانية المشهد أمام الجمهور؟.
وبحسب ما يطرحه الباحث في شؤون الحركات المتطرفة سامح عسكر، فالمشهد، لا يتعلق بتحركات فردية أو احتجاجات عابرة، وإنما بشبكة تعمل على توظيف المال والإعلام والعناصر الميدانية لصناعة صورة سلبية عن مصر أمام الرأي العام الغربي.
أبو دية حلقة وصل بين مصادر الدعم المالي والإخوان
وقال سامح عسكر، الباحث في شؤون حركات الإسلام السياسي، إن عبد الرحمن أبو دية، رجل الأعمال الفلسطيني الأصل والحاصل على الجنسية البريطانية، لا يمثل مجرد رجل أعمال يقدم خدمات أو دعما لجماعة الإخوان، وإنما يرى أن دوره يتجاوز ذلك إلى كونه حلقة وصل بين مصادر الدعم المالي من التنظيم الدولي وبين الجماعة، مشيرا إلى أن غياب صوره الشخصية عن التداول الإعلامي يمثل نقطة مهمة تستحق التوقف أمامها.
غياب صور أبو دية يثير التساؤلات حول طبيعة دوره داخل منظومة التمويل
وأوضح عسكر، أن اللافت في حالة عبد الرحمن أبو دية هو عدم وجود صور واضحة ومتداولة له، منوها بأن الأموال لا تنتقل بصورة مباشرة، وإنما تحتاج إلى شركات تستقبلها، والتي ترتبط بأبو دية، حتى تلعب هذا الدور.
شركات وكيانات متعددة.. كيف تتحرك أموال الدعم بعيدًا عن المسارات المباشرة؟
وأشار إلى أن طبيعة تحويل الأموال عبر شركات وكيانات مختلفة تفرض، التحايل على القوانين المنظمة لعمليات التمويل في الدول التي يوجد بها نشاط الجماعة بالخارج، موضحا أن المراكز الإعلامية للجماعة وعناصرها تتركز بصورة أساسية في دول محددة بالخارج، ولذلك فإن إخفاء هوية الشخص الذي يتحرك في هذا المسار، يصبح أمرا مهما.
تعمد إخفاء هوية عبد الرحمن أبو دية
وتابع: «المهم في الموضوع ليس فقط أنه حلقة وصل بين الدعم المالي والجماعة، وإنما اختفاء هوية عبد الرحمن أبو دية نفسه، ولماذا لا تريد جماعة الإخوان أن تكون صورته معروفة ومتداولة؟ وهو ما يعني أن هناك إدراكا داخل الجماعة لطبيعة المخاطر القانونية المرتبطة بهذه الأموال وطريقة انتقالها».
وقال عسكر إن تقارير متعددة تحدثت عن استخدام الجماعة لأساليب مالية معقدة، وربط ذلك بما وصفه بوجود شبهات حول عمليات غسل أموال، مؤكدا أن هذه النقطة تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها ملفا ماليا وقانونيا وليس مجرد نشاط دعائي.
وتطرق سامح عسكر، الباحث في شؤون حركات الإسلام السياسي،، أن عامر أبو دية، نجل عبد الرحمن، يمثل امتدادا لدور والده، مشيرا إلى أن هناك الكثير من التقارير التي تداولت عن مشاركته في تنظيم مظاهرات أمام السفارات المصرية في الخارج.
وأوضح أن هذه المظاهرات، لا تكون دائما عفوية، وإنما يمكن أن تعتمد على الحشد المدفوع بأموال والدعاية والتوجيه المسبق من التنظبم، قائلا إن جماعة الإخوان كانت، بحسب تجربته السابقة داخلها، تتعامل مع بعض العناصر بأسلوب يجعل الشخص يشارك في نشاط معين دون أن يكون مدركا منذ البداية لطبيعته الكاملة.
الإخوان تدفع بالشباب إلى الواجهة وتُبعد القيادات عن المخاطر
وأضاف: «الإخوان يقصدون أحيانا عدم تعريف العنصر بطبيعة المهمة كاملة، حتى يمنعوا حالة التردد أو الخوف...فإذا قلت لشخص تعال شارك في مظاهرة، قد يفكر في المخاطر ويرفض أو يتردد، لكن عندما لا يعرف طبيعة المهمة إلا في اللحظة الأخيرة، يجد نفسه داخل الأمر الواقع. وهذا في تقديري نوع من أعلى درجات الخداع والتضليل».
وأشار إلى أن قيادات الجماعة الإرهابية تبتعد عن المخاطر المباشرة، بينما يتم الدفع بالعناصر الأصغر سنا أو الأقل مكانة داخل التنظيم، مضيفا أن «جماعة الإخوان من الداخل جماعة طبقية، وأكثر من يدفع الثمن في مثل هذه الأنشطة هم الشباب والفئات الفقيرة، بينما لا تخاطر القيادات العليا أو رجال الأعمال المحسوبون عليها بأنفسهم».
وأكد عسكر، أن الهدف من تنظيم هذه المظاهرات أمام السفارات المصرية، يتجاوز مجرد الاحتجاج، إلى محاولة التأثير في الرأي العام الغربي وتشويه صورة الدولة المصرية وخلق رأي عام غربي معادي لمصر وشعبها خاصة أنهم لا يملكون دائما الوقت أو الأدوات للتحقق من كل ما يقال عن الدول الأخرى».
أبو دية يتجاوز التمويل إلى دعم النشاط الإعلامي والتحركات الخارجية
وشدد أن الأمر لا يقتصر على المظاهرات، وإنما تدخل فيه أيضا شركات ومؤسسات متخصصة في التأثير على الرأي العام، يتعاون معها التنظيم لتعزيز خطابها، والتي يبرز فيها اسم "أبو دية" بقوة كذلك بشأنها أيضا، لافتًا إلى إن دوره لا يقتصر على الدعم المالي أو تنظيم المظاهرات، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بالجانب الإعلامي، خاصة وأن الجزء الأكبر من الأموال التي تصل إلى منظومة الدعم، يتم توجيهه إلى الإعلام.
من المظاهرات إلى الإعلام.. أدوار متعددة في خدمة خطاب الجماعة
وأوضح: «أقدر أن أكثر من 90% من الدعم المالي الذي يأتي لعبد الرحمن يتم توجيهه إلى الإعلام، وهذه نسبة تقديرية مني، لكن لدي عليها أدلة ومعطيات»، مشيرا إلى أن الإعلام يتمثل في البودكاست، والإنترنت، وحسابات التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية، والحسابات الإلكترونية الكبرى، وقنوات يوتيوب، إضافة إلى الإنفاق على استمالة بعض المؤثرين.
وأضاف أن هذه الأنشطة تحتاج إلى إنفاق مالي ضخم وأن هذا التمويل يسمح بالتوسع في التأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب اللجان الإلكترونية والخدمات المدفوعة على الإنترنت، موضحا أن عبد الرحمن أبو دية، يقوم بشبكة أدوار مرتبطة بالدعم المالي والإعلامي والتحرك الخارجي، وهو يتحرك في مسارين أساسيين: الأول هو الدعم المالي للإعلام التابع للجماعة، والثاني هو تنظيم وتحريك بعض الأنشطة في الخارج، ومن بينها المظاهرات أمام السفارات المصرية.
《الخلايا العنقودية》.. أسلوب إخواني لإدارة التحركات من خلف الستار
وأوضح أن التنظيم يعتمد، على أسلوب يشبه «الخلايا العنقودية»، حيث لا تعرف الخلايا بعضها البعض، بينما يوجد شخص واحد يعرف المجموعات المختلفة ويوجهها، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب، بحسب رؤيته، يجعل القيادات بعيدة عن الصورة والمخاطر المباشرة، بينما يتم تصدير الشباب والعناصر المتحمسة إلى الواجهة، مؤكدا أن بعض المشاركين قد لا يعرفون حتى الجهة التي تقف خلف توجيه النشاط الذي يشاركون فيه.
وأضاف عسكر أن الجماعة تعتمد بصورة مستمرة على ما وصفه بـ«شعور المظلومية»، سواء عبر الفضائيات أو وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، من خلال تقديم نفسها باعتبارها ضحية لنظام عسكري، والترويج لفكرة أنها كانت جماعة مدنية تؤمن بحقوق الإنسان ولم تكن جماعة إرهابية.