الشائعة لا تحتاج دائما إلى كذبة كاملة حتى تولد، فقد تبدأ من معلومة صحيحة ثم تدخل في سلسلة من الإضافات والتفسيرات والتضخيم، قبل أن تخرج في النهاية بصورة مختلفة عن الواقعة الأصلية. وهنا تصبح الخطورة أكبر، لأن المتلقي قد يجد في بداية الرواية جزءا حقيقيا يمنح بقية التفاصيل مظهرا من المصداقية.
هذه هي إحدى آليات صناعة الرواية المضللة، واقعة محددة تفتح الباب أمام تفسير، والتفسير يتحول إلى عنوان، والعنوان يصبح مادة للتداول، ثم تتولى الحسابات والمنصات إعادة إنتاجه حتى يختفي المصدر الأول تحت عشرات النسخ، وفي هذه الرحلة لا تتغير المعلومة دفعة واحدة، وإنما تتغير على مراحل، وكل محطة تضيف إليها شيئا جديدا.
المحطة الأولى.. معلومة صحيحة تدخل دائرة إعادة التشكيل
قد تبدأ الحكاية بخبر صحيح بالفعل، لكن التفاصيل المحيطة به تكون غير مكتملة أو قابلة للتأويل، وهنا تظهر الأسئلة والاستنتاجات: ماذا وراء الواقعة؟ ما دلالتها؟ إلى أين يمكن أن تقود؟ وهل تعكس أزمة أكبر؟
المشكلة لا تبدأ من طرح الأسئلة، وإنما عندما تتحول الإجابات المحتملة إلى حقائق، ويختفي الفاصل بين ما ثبت وما جرى استنتاجه فتنتقل المعلومة من «حدث كذا» إلى «حدث كذا بسبب...» ثم إلى «الهدف هو...» وصولا إلى رواية متكاملة لم تكن موجودة في نقطة البداية.
المحطة الثانية.. التفسير يبتلع الحقيقة
هنا تتسع المسافة بين الواقعة والرواية، واقعة محددة يمكن أن تتحول إلى دليل على أزمة أوسع، وتصريح محدود إلى موقف شامل، وتوقع إلى نتيجة محسومة، وكل إضافة تبدو صغيرة بمفردها، لكن تراكم الإضافات يصنع في النهاية قصة مختلفة عن نقطة البداية، والأخطر أن المتلقي قد لا يلاحظ لحظة الانتقال من «ما حدث» إلى «ما يعنيه ما حدث»، ثم من التفسير إلى الحكم النهائي.
المحطة الثالثة.. صناعة العبارة الأكثر إثارة
بعد تغيير زاوية تقديم الواقعة، تأتي مرحلة اختيار الكلمات، الجملة الهادئة لا تحقق الانتشار نفسه الذي تحققه العبارة الصادمة، والتفاصيل المقيدة لا تجذب مثل الأحكام المطلقة، لذلك قد تختفي أثناء إعادة الصياغة كلمات مثل «ربما» و«متوقع» و«بحسب» و«لم يتأكد»، بينما تبقى الخلاصة الأكثر إثارة.
وهكذا تنتقل الرواية من مساحة الاحتمال إلى مساحة التأكيد، ليس لأن دليلا جديدا ظهر، وإنما لأن طريقة صياغتها تغيرت.
المحطة الرابعة.. الصورة والفيديو يمنحان الرواية قوة إضافية
الصورة والفيديو من أكثر الأدوات تأثيرا في تشكيل الانطباع، لأن المتلقي يتعامل غالبا مع المحتوى البصري باعتباره شاهدا مباشرا لكن وجود صورة حقيقية لا يعني بالضرورة صحة القصة المصاحبة لها، قد تكون الصورة قديمة، أو من مكان آخر، أو مرتبطة بواقعة مختلفة، وقد يكون الفيديو صحيحا في أصله لكن مجتزأ من سياقه.
وهنا يمكن أن يتغير المعنى من دون الحاجة إلى تزوير المحتوى نفسه، يكفي تغيير السياق الذي وضع فيه.
المحطة الخامسة.. إعادة التدوير تصنع وهم تعدد المصادر
بعد اكتمال الرواية تبدأ مرحلة الانتشار، حساب ينشرها، وصفحة تعيد صياغتها، وموقع ينقلها، ثم تأتي حسابات أخرى لتقول إن «وسائل التواصل تتداول» أو إن «منصات عدة تحدثت عن الأمر».
في الظاهر توجد مصادر متعددة، لكن عند العودة إلى أصل القصة قد يتضح أن الجميع يعيدون المادة نفسها وهنا تظهر قاعدة مهمة في تفكيك الشائعة تتمثل في أن كثرة النسخ لا تعني تعدد المصادر فالانتشار يثبت أن الرواية انتشرت، لكنه لا يثبت أنها صحيحة.
المحطة السادسة.. المصدر الأول يختفي
كلما تحركت القصة من منصة إلى أخرى، ابتعدت عن لحظة ميلادها قد يبدأ الأمر بمنشور محدد، ثم يختفي الرابط الأصلي، وتبقى الجملة وحدها بعدها تظهر تعبيرات مثل «متداول» و«مصادر أكدت» و«تقارير أشارت»، من دون أن يستطيع المتلقي الوصول إلى المصدر الأول أو معرفة الدليل الذي استندت إليه الرواية.
وهنا تصبح الشائعة أكثر قدرة على الحياة، لأنها لم تعد مرتبطة بشخص أو منشور بعينه، وإنما أصبحت «قصة موجودة في كل مكان».
المحطة السابعة.. الشائعة تعود إلى الشاشة
بعد انتشار الرواية على المنصات، يمكن أن تعود إلى البرامج باعتبارها قضية «متداولة».
وهنا تكتمل الدائرة، ما خرج من الشاشة في البداية يعود إليها بعدما اكتسب انتشارا على السوشيال ميديا، فيبدو أن هناك زخما مستقلا يؤكد الرواية، بينما قد يكون جزء كبير من هذا الزخم ناتجا عن إعادة تدوير المادة نفسها.
فتصبح العملية دائرة مغلقة عبارة عن معلومة، ثم تفسير، ثم صياغة مثيرة، ثم تداول، ثم عودة إلى الشاشة.
حين يسبق الصوت الدليل
المشكلة الأساسية في دورة الشائعة ليست دائما اختراع واقعة من العدم، وإنما القدرة على أخذ جزء من الحقيقة وإعادة تشكيل الصورة المحيطة به ومن هنا تبدأ الرحلة: معلومة صحيحة، ثم تفسير، ثم تضخيم، ثم عنوان، ثم صورة أو فيديو، ثم إعادة تدوير، ثم اختفاء المصدر، وأخيرا عودة الرواية إلى الجمهور في صورة تبدو مكتملة، لكن اكتمال القصة لا يعني اكتمال الدليل.
ثروت الخرباوي: إعلام الإخوان يبدأ أحيانا من خبر صحيح ويوجه وعي المتلقي
وفي هذا السياق قال الدكتور ثروت الخرباوي، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان الإرهابية، إن إعلام الجماعة يستند إلى خبر صحيح ثم ينسج حوله تفاصيل غير حقيقية ويضخم الصورة، موضحا أن الخطأ حتى لو كان صغيرا يمكن أن يجري تضخيمه، لتتحول الواقعة المحدودة إلى قضية أكبر من حجمها، ويصبح الهدف التأثير على وعي المتلقي وتوجيه طريقة فهمه للحدث.
وأضاف "الخرباوي" أن خطورة هذه الآلية تكمن في أن الرواية تبدأ من نقطة يمكن تصديقها، ثم تضاف إليها تفاصيل واستنتاجات تجعل الجمهور أمام صورة مختلفة عن الواقعة الأصلية، مؤكدا أن مواجهة هذا النوع من الخطاب تبدأ من امتلاك الوعي والقدرة على التمييز بين الخبر كما وقع، وما يضاف إليه أثناء إعادة تقديمه.
وهنا يصبح الوعي الإعلامي خط الدفاع الأهم ليس برفض كل ما يقال، وإنما بفحص مصدر المعلومة، ومراجعة سياقها، والتمييز بين الحقيقة والتفسير، وعدم اعتبار كثرة التكرار دليلا على صحة الرواية.
فالصوت مهما ارتفع لا يحول الاحتمال إلى حقيقة، والتكرار مهما اتسع لا يصنع دليلا، والشائعة مهما اكتملت تفاصيلها تظل بحاجة إلى العودة إلى نقطة البداية والسؤال: ماذا حدث بالفعل.. وماذا أضيف إلى ما حدث؟