تتجاوز أدوات جماعة الإخوان في نشر رسائلها، وفقًا لتحليل باحث في شؤون الجماعات الإسلامية، مجرد الحسابات والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، لتشمل منظومة إعلامية تعتمد على إعادة تدوير المحتوى، واستغلال الأحداث والأزمات، وتوجيه رسائل مختلفة إلى شرائح محددة من الجمهور، بهدف التأثير في الوعي العام وإثارة الشكوك حول المؤسسات. وأوضح الباحث أن مواجهة هذه المنظومة لا تكون بالتعامل مع كل شائعة على حدة، وإنما ببناء مشروع متكامل للوعي تشارك فيه مؤسسات الإعلام والثقافة والتعليم والشباب والمؤسسات الدينية.
الإخوان تعتمد على منظومة إعلامية منظمة لترويج الشائعات وإرباك الوعي العام
قال إبراهيم ربيع القيادى المنشق والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة؛ في تصريح لـ " اليوم السابع" إن التعامل مع جماعة الإخوان يجب أن ينطلق من طبيعة التنظيم ككل، وليس من خلال النظر إلى وقائع أو مخالفات منفردة، مشيرًا إلى أن القضية، من وجهة نظره، تتعلق بشبكة من المؤسسات والتحالفات والتمويلات التي تحتاج إلى بحثها في إطار أوسع.
وأوضح الباحث: أن التركيز على تفاصيل مثل رواتب العاملين في المنصات الإعلامية أو الفروق بين ما يحصل عليه شخص وآخر قد لا يكون كافيًا لتفسير طبيعة النشاط الإعلامي للجماعة، قائلًا إن المواطن قد لا يرى مشكلة في أن يحصل إعلامي على مقابل مادي نظير عمله، ولذلك فإن الأهم هو بحث مصدر التمويل والهدف من توظيف هذه المنظومة الإعلامية.
وأضاف أن كشف أهداف الجماعة يجب أن يتجاوز الحديث عن تفاصيل جزئية إلى تناول ما وصفه بالبنية التنظيمية والمالية والإعلامية المرتبطة بها، معتبرًا أن فهم هذه البنية يساعد على تفسير طبيعة الرسائل التي يتم إنتاجها وتوجيهها إلى الجمهور.
الإخوان والإعلام.. أدوات تتغير والمبدأ واحد
وتطرق الباحث إلى تاريخ استخدام الجماعة لوسائل الإعلام، مشيرًا إلى أنها اعتمدت منذ سنوات تأسيسها على إصدار مطبوعات ووسائل إعلامية للتواصل مع الجمهور، قبل أن تتطور الأدوات مع ظهور الراديو والتليفزيون ثم الإنترنت والهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي.
بحسب ما أكده "ربيع" إن تطور الوسائل لم يغير الهدف الأساسي من استخدامها، والمتمثل في التأثير على الجمهور وتوجيه الرسائل، مضيفًا: "الأدوات كل شوية بتتطور، بدأ يبقى فيه راديو، ثم تلفزيون، ثم موبايل، ثم إنترنت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، لكن المبدأ واحد".
وأشار"ربيع" إلى أن المواقع الإلكترونية تمثل إحدى حلقات هذه المنظومة، موضحًا أن المنشورات المتداولة عبر صفحات وحسابات مختلفة يمكن إعادة تقديمها في صورة أخبار، وهو ما يؤدي إلى توسيع نطاق انتشار المعلومة قبل التحقق من مصدرها أو دقتها. معتبرًا؛ أن هذا النمط من العمل الإعلامي قد يؤدي إلى خلق حالة مستمرة من الارتباك والشك لدى الجمهور، موضحًا أن الرسائل التي تستهدف الثقة في المؤسسات أو الرموز أو المستقبل يمكن أن تتراكم لتؤثر في طريقة استقبال المواطن للأحداث.
وأضاف أن التعامل مع الأزمات والأحداث يمثل جزءً أساسيًا من هذه العملية، قائلًا إن غياب الخبر قد يدفع إلى اختلاق خبر، وغياب الحدث إلى صناعة حدث، بينما يمكن استغلال الأزمات القائمة وتقديمها بطريقة تخدم الرسالة التي تريد المنظومة الإعلامية إيصالها.
شركات متخصصة لإدارة الرسائل الإعلامية
وفي سياق حديثه عن التمويل والبنية التي تقف خلف النشاط الإعلامي، قال "إبراهيم ربيع" إن الأمر لا يقتصر على أفراد يديرون حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما توجد شركات متخصصة في مجالات العلاقات العامة والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس والإعلام والصحافة وإدارة الفضائيات والصحف. مؤكدًا أن هناك سبع شركات متخصصة تعمل في إدارة أنشطة مرتبطة بالتنظيم، وأن هذه الشركات، تحدد الفئات المستهدفة والرسائل المناسبة لكل شريحة، وتبحث كيفية استغلال الأحداث وتوظيفها بما يخدم الأهداف التي تسعى إليها المنظومة.
وأشار "الباحث" إلى أن بعض هذه الشركات، شركات دولية تعمل في مجالات العلاقات العامة وإدارة الحملات، من بينهم شركة "جلوبال" التي تقوم بإدارة حملات سياسية على مستويات دولية. مشددًا على أن هذه المعلومات تحتاج إلى النظر إليها في إطار الأدلة والوثائق الخاصة بكل شركة أو جهة، موضحًا أن ما يصفه ليس مجرد نشاط فردي لشخص يجلس أمام هاتفه لصناعة "تريند"، وإنما منظومة أكثر اتساعًا تضم، متخصصين في تحديد الرسائل والجمهور المستهدف وتوقيت طرح المحتوى.
من الشائعة إلى صناعة حالة من الغضب
وقال الباحث إن الهدف من هذه المنظومة، هو إبقاء المواطن في حالة مستمرة من الشك والقلق والتوتر، ثم الانتقال تدريجيًا إلى التذمر والغضب، بما قد يفتح المجال أمام توظيف حالة الاحتقان سياسيًا. مضيفًا؛ أن خطورة الأمر، من وجهة نظره، لا ترتبط فقط بانتشار خبر غير دقيق، وإنما بقدرة الرسائل المتكررة على التأثير في طريقة إدراك الجمهور للأحداث، خاصة عندما يتم تقديم المحتوى عبر أكثر من منصة وفي توقيتات متقاربة.
مواجهة الدعاية تبدأ ببناء الوعي
و طرح إبراهيم ربيع القيادى المنشق والباحث في شؤون الحركات المتطرفة؛ رؤيته لمواجهة هذه المنظومات، مؤكدًا أن المواجهة لا تقتصر على الرد على الشائعات بصورة منفردة، وإنما تحتاج إلى بناء حالة وعي مستمرة ومشروع متكامل يشارك فيه الإعلام والصحافة والثقافة والتعليم والشباب والرياضة والمؤسسات الدينية. داعيًا إلى تدريب الكوادر الإعلامية والمهنية على مخاطبة الجمهور وفهم احتياجاته، مؤكدًا أن الاعتماد على ما وصفه بـ"سياسة إطفاء الحرائق" لا يكفي، وأن المطلوب هو مشروع تراكمي ينسق بين المؤسسات المختلفة؛ موضحًا؛ أن هذا المشروع يمكن أن يقوم على توزيع الأدوار بين الجهات المختلفة، بحيث يكون لكل مؤسسة دور محدد في بناء الوعي العام، مقترحًا تنظيم ورش عمل مشتركة تضع تصورًا واضحًا لما يمكن أن تقوم به وزارات الثقافة والتربية والتعليم والشباب والرياضة، إلى جانب الإعلاميين والصحفيين والمثقفين.
واختتم الباحث بالتأكيد على أن مواجهة حملات التضليل لا تتحقق بمجرد الرد على كل شائعة على حدة، وإنما من خلال بناء مواطن يمتلك القدرة على التحقق من المعلومات والتمييز بين المصادر، ويجد أمامه مصادر موثوقة وقادرة على مخاطبته بصورة مستمرة ومقنعة.