أكد إبراهيم شعبان، استشاري التدريب وبناء القدرات بمنظمة العمل الدولية، أن التعامل مع قضية عمل الأطفال في مصر شهد نقلة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى التشريعي أو التنفيذي، موضحا أن قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر 2025، يمثل جزءا من هذه النقلة، إلى جانب الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ودعم الأسرة.
وأوضح شعبان، خلال حديثه عن جهود مواجهة عمل الأطفال، فى ورشة عمل منظمة العمل الدولية، أن مرور عام على تطبيق قانون العمل الجديد لا يعني انتهاء استكمال منظومته التنفيذية، مشيرا إلى أن معظم القرارات الوزارية المرتبطة بالقانون صدرت بالفعل، فيما يجري استكمال القرارات المتعلقة ببعض الملفات، من بينها السلامة والصحة المهنية.
الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال تستهدف إجراء تعديلات تشريعية
وشدد على أهمية التفرقة بين اللائحة التنفيذية والقرارات التنفيذية، موضحا أن قانون العمل لا ينتظر لائحة تنفيذية تصدر عن رئيس مجلس الوزراء، باعتباره قانونا يختص بتنفيذه بشكل أساسي وزارة العمل، وبالتالي تصدر القرارات الوزارية اللازمة لتنفيذه من وزير العمل.
وأشار إلى أن مواجهة عمل الأطفال لا تعتمد على قانون العمل وحده، وإنما ترتبط بمجموعة من القوانين ذات الصلة، من بينها قوانين الطفل والتعليم والزراعة والعقوبات، لافتا إلى أن الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ودعم الأسرة تستهدف إجراء تعديلات تشريعية لسد الفجوات القائمة وتحقيق الاتساق مع اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام ورقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال.
وأضاف أن القانون الجديد شهد تطورا مهما بإلغاء الاستثناء الخاص بالتفتيش على أعمال الزراعة البحتة، والذي كان واردا في القانون السابق، بما يسهم في إدخال عمال الزراعة ضمن نطاق الحماية، موضحا أن الانتقال إلى تطبيق هذه الحماية على أرض الواقع يحتاج إلى وقت لبناء قدرات المفتشين وتطوير خبراتهم في التعامل مع قطاع الزراعة.
وأكد شعبان أن مصر انتقلت من مجرد الالتزام بالمعايير الدولية إلى وضع التزام وطني لتحويل هذه المعايير إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وهو ما تجسد في الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ودعم الأسرة، التي أطلقتها الدولة لتوحيد جهود الجهات المعنية في مواجهة الظاهرة.
وأوضح أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت في عام 2010 وجود نحو مليون و600 ألف طفل منخرطين في العمل، من بينهم نحو 80% في أسوأ أشكال عمل الأطفال، مشيرا إلى أن خطورة هذه الأشكال لا تقتصر على مجرد عمل الطفل، وإنما تكمن في تعرضه لمخاطر تهدد حياته وسلامته بشكل مباشر.
الخطة الوطنية ضمت 22 جهة ووزارة إلى جانب وزارة العمل للحد من عمل الأطفال
ولفت إلى أن قضية عمل الأطفال لم تعد مسؤولية وزارة العمل وحدها، بعدما أصبحت ظاهرة ذات جذور اجتماعية واقتصادية تتطلب تدخل جهات متعددة، ولذلك ضمت الخطة الوطنية 22 جهة ووزارة إلى جانب وزارة العمل، في إطار يقوم على التشبيك والتنسيق بين الجهات المعنية.
وأشار إلى أن فلسفة التعامل مع حالات عمل الأطفال تغيرت بعد إطلاق الخطة الوطنية، موضحا أنه في السابق كان رصد حالة طفل يعمل ينتهي غالبا بتحرير محضر ضد صاحب العمل، بينما لا يضمن ذلك معالجة الأسباب التي دفعت الطفل إلى العمل أو توفير الحماية اللازمة له.
وأضاف أن الخطة الوطنية تبنت منهجا يقوم على إدارة حالة الطفل بعد رصدها، بحيث تتولى الجهات المختصة تحديد احتياجاته والتدخل لمعالجة أسباب انخراطه في العمل، سواء من خلال إعادته إلى التعليم، أو توفير الرعاية الصحية، أو تقديم الدعم الاجتماعي، أو مساعدة الأسرة في الحصول على مصدر دخل.
وأوضح أن المجلس القومي للطفولة والأمومة يؤدي دورا تنسيقيا وفنيا في هذا الإطار، باعتباره الجهة المعنية بتنسيق جهود الجهات المختلفة في ملف الطفل، مشيرا إلى أن حالة الطفل التي يتم رصدها يمكن أن تتطلب تدخل وزارة التضامن الاجتماعي أو وزارة الصحة أو وزارة العمل أو غيرها من الجهات، وفقا لاحتياجات كل حالة.
وأكد شعبان أن الخطة الوطنية نصت على أن جميع الجهات المعنية يمكنها رصد حالات عمل الأطفال، وليس وزارة العمل وحدها، بما في ذلك المجلس القومي للطفولة والأمومة من خلال لجان الحماية العامة والفرعية، على أن يتم التعامل مع الحالات وفقا لمنظومة الرصد والإحالة وإدارة الحالة.
وأشار إلى أن فلسفة التشريع نفسها أصبحت قائمة على التنسيق بين الجهات المختلفة، لافتا إلى أن قانون العمل الجديد يتضمن نصوصا تلزم وزارة العمل بالتنسيق مع المجلس القومي للطفولة والأمومة عند إعداد القرار الخاص بالمهن المحظور تدريب وتشغيل الأطفال فيها، بما يتيح الاستفادة من آراء الجهات المعنية بالطفولة قبل إصدار القرار.
وأضاف أن القانون يتضمن أيضا تنسيقا مع وزارة التضامن الاجتماعي في بعض الحالات المتعلقة بتدريب وتشغيل الأطفال من ذوي الإعاقة، بما يعكس اتجاها تشريعيا نحو عدم التعامل مع ملف عمل الأطفال باعتباره مسؤولية جهة واحدة.
وفيما يتعلق بالتدريب المهني، أوضح شعبان أن هذا الملف يمثل أحد التحديات التي تناولتها الخطة الوطنية، في ظل تعدد أشكال التدريب في مصر وتوزع مسؤولياتها بين عدد من الوزارات والجهات، مشيرا إلى وجود أشكال مختلفة من التدريب، من بينها التعليم المزدوج، ومدارس داخل المصانع، والتدريب المهني، والتكوين المهني، والتلمذة الصناعية والتدرج المهني.
وأكد أن القضية الخامسة من الخطة الوطنية تستهدف توحيد المرجعية القانونية والفنية لجميع أشكال التدريب، بما يضمن عدم تدريب الأطفال على المهن التي تمثل خطرا عليهم، أيا كانت الجهة التي تقدم التدريب.
وأوضح أن القرار رقم 50 لسنة 2026، الصادر عن وزير العمل، حدد المهن المحظور تدريب وتشغيل الأطفال فيها، مشيرا إلى أن الخطة الوطنية تستهدف أن تصبح هذه القائمة مرجعا لجميع الجهات التي تقدم برامج تدريب للأطفال، بحيث لا يتم تدريب الطفل على مهنة محظورة من أي جهة كانت.
وأكد أن الخطة الوطنية تمثل التزاما وطنيا على جميع الجهات المشاركة فيها، بما يشمل وزارات العمل والتضامن الاجتماعي والزراعة والصناعة والتربية والتعليم وغيرها من الجهات والوزارات ال22 المعنية بتنفيذ محاورها.
وأشار إلى أن الخطة تستهدف الإسهام الفعال في القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، بالتوازي مع توفير الحماية الاجتماعية الشاملة للأطفال المستهدفين وأسرهم، موضحا أن توفير بدائل لدعم الأسرة يمثل جزءا أساسيا من جهود الحد من عمل الأطفال.
تعزيز رصد وحماية الأطفال، وتقوية ممارسات المنع والحماية
واستعرض شعبان القضايا الست التي تقوم عليها الخطة الوطنية، والتي تشمل تعزيز البيانات والمعلومات المتعلقة بعمل الأطفال، وتعزيز الأطر التشريعية والمؤسسية، وتعزيز رصد وحماية الأطفال، وتقوية ممارسات المنع والحماية، وتطوير التدريب والتدرج المهني، إلى جانب تعزيز التوعية والتعبئة المجتمعية لمكافحة عمل الأطفال.
وشدد على أن محور التوعية والتعبئة المجتمعية يرتبط بشكل مباشر بدور الإعلام، موضحا أن التوعية وحدها لا تكفي للتعامل مع قضية لها جذور مجتمعية، ولذلك استخدمت الخطة مفهوم «التوعية والتعبئة المجتمعية»، باعتبار أن التعبئة تعني توحيد جهود المجتمع والجهات المختلفة لمواجهة الظاهرة.
وأكد أن القضايا الست في الخطة الوطنية لا تعمل بشكل منفصل، وإنما تمثل منظومة متكاملة، موضحا أن نجاح جهود التشريع والرصد والحماية والتدريب يتطلب وعيا مجتمعيا وتنسيقا مستمرا بين جميع الأطراف، وهو ما يجعل الإعلام شريكا أساسيا في مواجهة عمل الأطفال ونشر المعرفة الصحيحة بمخاطره وسبل حماية الأطفال.