سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 23 سبتمبر 1940.. مولد الشاعر سيد حجاب الذى أسمته أمه تيمنا بالسيد البدوى وتأثر ببيئة بحيرة المنزلة وأدرك أنه شاعر فى السابعة من عمره ثم كتب أول قصائده فى الحادية عشرة

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 23 سبتمبر 1940.. مولد الشاعر سيد حجاب الذى أسمته أمه تيمنا بالسيد البدوى وتأثر ببيئة بحيرة المنزلة وأدرك أنه شاعر فى السابعة من عمره ثم كتب أول قصائده فى الحادية عشرة سيد حجاب

سعيد الشحات

وضعت السيدة «دولت مصطفى عوض» ابنة شيخ الصيادين فى بحيرة المنزلة مولودها يوم 23 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1940، وكان خامس أبنائها التى بدأتهم بابنها البكرى «صلاح»، وقررت على طريقة أبناء القرى أن تخاويه فكانت النتيجة «ابتسام»، ثم «سعاد» وبعدها «وداد»، وفى المرة الرابعة أعطت نذرا لمارى جرجس فى «ميت دميس» وللسيد البدوى فجاءها فى المنام، وقال لها: «أبشرك بغلام»، وبعد تسعة أشهر وضعت مولودها فأسمته «السيد» تيمنا بالسيد البدوى، حسبما يروى الشاعر سيد حجاب فى كتاب «سيد حجاب صياد الحواديت»، تأليف إبراهيم خطاب.

ولد سيد حجاب فى قرية «المطرية» المطلة على بحيرة المنزلة بمحافظة الدقهلية، وتركت بيئة وزمن المكان والأسرة أعمق الأثر فى تكوينه حتى صار من أهم شعر العامية فى تاريخ مصر، يؤكد أن طفولته مليئة بذكريات الحرب العالمية الثانية، وفى قريته كانوا يشيرون إلى بيوت يقولون عنها: «البيوت دى انضارت فى الحرب»، وكانت القرية مليئة أيضا بملاجئ الغارات «خنادق»، التى يختبئ الأهالى فيها أثناء الغارات.

يؤكد أن والده كان معلمه الأول، وعن تأثيره العميق فى مسيرته، يقول: «والدى أحمد محمد حجاب درس فى الأزهر لسنوات، وخرج عاشقا للقراءة والشعر، بل كنت أسمع أقوالا عن كونه شاعرا فى صباه، ولكنى لم أسمع له بيتا واحدا، كان طيبا مضيئا «دمعته قريبة»، هو وعباس عصفور من أوائل أهل البلدة الذين فكروا فى تعليم بناتهم إلى مراحل متقدمة جدا، هو المتدين الذى يحترمه إخوته الأكبر والأصغر منه وأبناء أعمامه، كان الأصغر بين أعمامى لكنه كان بمثابة ولى الأمر والحضن الحنين».

يضيف: «كان لوالدى صديق حميم هو يوسف ميخائيل الذى كنت أرى فى مكتبة والدى الكتب الدينية الإسلامية التى أرسلها يوسف مجلدة ومكتوبا عليها اسمه، وكنت أرى الأناجيل فى بيتنا منذ كنت صغيرا من بينها إنجيل «برنايا»، وعندما كنت فى السابعة كانت الكوليرا منتشرة، والأمهات يحبسن أبناءهن فى البيوت، فكانت فرصتى لالتهام مكتبة والدى، وكان مشتركا فى مجلات المصور وكتاب الهلال ومجلة الهلال وغيرها، وكان البيت كله مصابا بحب القراءة وعشق الكتب»، ويؤكد أن حبسته فى البيت بسبب انتشار الكوليرا كانت فرصة جيدة ليلتهم كل ما فى مكتبة والده، يقول: كنت أقرأ ما أفهمه وما لا أفهمه، «أجزاء من ألف ليلة وليلة» و«يتيمة الدهر» للتعالبى، و«الأغانى» للأصفهانى، و«خزانة الأدب» للبغدادى، وعندما امتد بى العمر دهشت عندما عادوت قراءة هذه الكتب، ووجدت كثيرا منها باقيا فى ذاكرتى.

فعلت المكتبة مفاعيلها فى تكوين سيد حجاب، وكانت تغذية أخرى تأتيه من طبيعة وبيئة قريته، يذكرها قائلا: «كانت قريتى تعيش بالغناء فى كل لحظة من لحظات الحياة اليومية، من المولد إلى السبوع والمشى ودخول المدرسة، دائما هناك غناء فى كل حالة ومع كل حالة حتى تبدأ أنت فى الغناء أيضا، زوجات الصيادين يغنين لأزواجهن حتى يعودوا من الصيد، الصيادون يرددون أوانا من الغناء على المركب، كل منها لنوع معين من الصيد، كان أشهرها صيد «الدبدبة»، وغناء «الدبدبة» حيث كان الصيد على شكل مجموعات من المراكب، ثم ينصب الشبك، ويبدأ الغناء والدبدبة على المراكب لكى تدفع السمك إلى الشباك المنصوبة له».

يضيف سيد حجاب: «كان أبى يحفظ المعلقات، واكتشفت موهبتى الشعرية الباكرة فى جلسات المطارحة الشعرية التى كان يعقدها لأبنائه، فيقول بيتا شعريا، والتالى له فى الجلسة يأخذ قافية البيت ليبدأ بها بيتا شعريا آخر، فمثلا: «نحن فى المشتاة ندعو الجفلى/ لا ترى الآداب منا ينتقر»، فالتالى منا يأخذ الراء «ريم على القاع بين البان والعلم/ أحل سفك دمى فى الأشهر الحرم»، والتالى يأخذ الميم ليبدأ بيتا جديدا، وهكذ تظل جلسة السمر الشعرية حول «المنقد» فى ليالى الشتاء قبل أن يظهر التليفزيون، ولم يكن هناك إلا الراديو الذى كان يعمل ساعات محدودة، وفى كثير من الأحيان كانت تعجزنى محفوظاتى القليلة فأبتكر أو أرتجل بيتا «يعدى» على أبى، فبيت وراء بيت بدأت أدرك أننى شاعر وكنت فى السابعة من عمرى حينذاك».

لا ينس سيد حجاب أول قصائده: «فى أثناء الكفاح المسلح فى القناة ضد الإنجليز، استشهد طفل اسمه نبيل منصور أثناء هجوم الفدائيين على قاعدة للإنجليز، وخرجنا أيامها فى مظاهرات، وبعد العودة منها شعرت أن شحنة الغضب والغيظ لم تخرج بالكامل، فكتبت أول قصيدة فى حياتى: «كنا غزاة وأبطالا صناديدا/ صرنا لرجع الصدى فى الغرب ترديدا»، كان عمرى وقتها 11 عاما، وكان واضحا وجود نبرة خطابة كلاسيكية فى كتابتى، وحين اطلع والدى على ما كتبت، ابتسم قائلا: «الله الله يا شيخ سيد، فتح الله عليك أنت شاعر بالسليقة، ولكن يجب أن تصقل الموهبة بالدرس، وسأعطيك درسا فى العروض».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة