"المذيع والمصدر الشبح" بطل الهبد الإخوانى بلا اسم ولا صورة.. "مصدر خاص" يعرف ما لم يره أحد وما لم تعلنه أى جهة ثم يختفى.. رواية مجهولة تتحول بنبرة اليقين وماكينة التكرار إلى "معلومة مؤكدة" في مطبخ الشائعات

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 04:00 م
"المذيع والمصدر الشبح" بطل الهبد الإخوانى بلا اسم ولا صورة.. "مصدر خاص" يعرف ما لم يره أحد وما لم تعلنه أى جهة ثم يختفى.. رواية مجهولة تتحول بنبرة اليقين وماكينة التكرار إلى "معلومة مؤكدة" في مطبخ الشائعات إعلام الإرهابية

كتبت إسراء بدر

"يا جماعة الخير، جبنالكم النهاردة معلومة حصرية من قلب الحدث.. مصدرنا الخاص يؤكد" وهنا تبدأ الحكاية، لا اسم للمصدر، ولا صورة، ولا تسجيل، ولا وثيقة، ولا حتى نصف معلومة تسمح للمشاهد بأن يعرف من أين جاءت القصة. فقط "مصدر خاص" يطل علينا من خلف الستار، يعرف كل شيء، ولا يظهر أبدا، ثم يترك المذيع يتولى مهمة تحويل الهمسة المجهولة إلى خبر كامل الدسم.

في المنصات الإعلامية المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، يبدو أن "المصدر الخاص" اخترع وظيفة جديدة في عالم الصحافة: شخصية تعمل من خلف الكواليس، تعرف ما دار في الاجتماعات، وما قيل في الغرف المغلقة، وما تخفيه المؤسسات، وما سيحدث غدا، لكنها في الوقت نفسه شديدة الحساسية تجاه الكاميرات والأسئلة، ولذلك لا تظهر أبدا. ببساطة، هو مصدر "على الطلب" يظهر عندما تحتاج الرواية إلى دليل، ويختفي عندما تحتاج الرواية إلى إثبات.

المصدر الشبح.. لا اسم ولا رسم ولا حتى "ألو"
 

في الصحافة المهنية، قد يلجأ الصحفي إلى مصدر غير معلن اسمه في حالات محددة، لكن المعلومة لا تصبح صحيحة لمجرد أن صاحبها مجهول. تظل هناك وثائق، وقرائن، ومصادر أخرى، وسياق يمكن فحصه.

أما في مطبخ الشائعة فالوصفة أسهل بكثير، ابدأ بجملة "مصدر خاص أكد"، ثم امسح أي أثر للسؤال عن اسم المصدر أو طبيعة معلوماته أو الدليل الذي يستند إليه، وبعدها قدم الرواية بنبرة تجعل المشاهد يشعر أنه أمام تسريب من خزينة أسرار الدولة.

المصدر هنا لا يحتاج إلى بطاقة شخصية، ولا عنوان، ولا رقم هاتف، ولا حتى صوت يكفي أن يتمتع بصفة واحدة وهي أن يكون مجهولا تماما وكأنه "المصدر الغامض بسلامته".

المذيع العراف.. "صدقني أنا عندي مصدر"

وهنا يأتي دور المذيع الإخواني، الذي يبدو أحيانا وكأنه لا يقدم خبرا وإنما يقدم جلسة استحضار أرواح إعلامية، يرفع صوته، يخفضه فجأة، يقترب من الكاميرا، يعقد حاجبيه، ثم يقول العبارة التي يفترض أن تنهي كل نقاش: "مصادرنا الخاصة أكدت"..

المشاهد لا يرى المصدر؟ لا توجد وثيقة؟ لا توجد جهة رسمية تؤكد؟ كل هذا غير مهم بالنسبة لإعلام الإخوان أثناء صناعة "هبدة" جديدة طالما أن هناك "مصدر خاص أكد"، المهم أن المذيع قالها بثقة، والثقة في هذه الوصفة تصبح بديلا رخيصا عن الدليل، كأن جودة البدلة والإضاءة العالية ودقة الكاميرا تمنح المعلومة شهادة اعتماد تلقائية.

والأطرف أن بعض الروايات تحتاج إلى كل هذا الاستعراض حتى تبدو سرية وخطيرة، بينما لو نزعت عنها الموسيقى ونبرة المذيع وعبارة "مصدر خاص"، قد لا يبقى منها سوى جملة لا يعرف أحد من أين جاءت ولا حتى المذيع نفسه فهو مجرد ملقن لما يقوله "المصدر الخاص" الذي يتستر وراءه كاتب الإسكريبت الإخواني.

مصدرنا الخاص.. موظف 24 ساعة في خدمة الرواية

هذا المصدر الشبح يمتلك قدرة خارقة لا تتوافر حتى في أجهزة المخابرات في أفلام السينما، يعرف ما جرى داخل الاجتماعات المغلقة، ويعرف ما لم تعلنه المؤسسات، ويعرف نوايا الأشخاص، ويعرف القرارات قبل صدورها، وأحيانا يعرف تفاصيل أحداث لم تبدأ أصلا.

لا يمكن سؤاله: أين الوثيقة؟ ولا يمكن مواجهته: من أين حصلت على المعلومة؟ ولا يمكن حتى الاتصال به: لأن وجوده نفسه جزء من السرية، إنه المصدر المثالي لا يتكلم إلا عندما تحتاجه الرواية، ولا يظهر عندما تحتاجه الحقيقة.

من "هبدة" في الاستوديو إلى "تقارير تؤكد"

لكن الحكاية لا تنتهي بخروج المذيع من الاستوديو، هنا تبدأ المرحلة الأخطر والتي تتمثل في إعادة التدوير، المذيع يقول: "مصدر خاص أكد" بعد دقائق، تظهر صفحة على مواقع التواصل لتكتب: "مصادر مطلعة تكشف تفاصيل خطيرة" ثم تأتي صفحة أخرى فتقول: "تداولت منصات عدة المعلومات"، وبعدها يعود الخبر إلى الشاشة في اليوم التالي باعتباره "معلومات متداولة على نطاق واسع".

وهكذا تنفصل الرواية تدريجيا عن أصلها، المصدر الأول اختفى، والمعلومة الأولى اختفت معها، لكن بقيت عشرات النسخ التي تنقل عن بعضها بعضا، حتى يبدو للمشاهد أن هناك عشرات المصادر المستقلة ولكنها ماكينة تدوير "هبدات" وشائعات الإخوان الإرهابية، المعلومة تنقل نفسها، ثم تستشهد بنفسها، ثم تعود لتقول إنها أصبحت مؤكدة لأنها تكررت.

عندما يتحول "المصدر" إلى مظلة إنقاذ

الميزة الذهبية في المصدر الشبح أنه يتحمل كل شيء ولا يدفع ثمن أي شيء، إذا صدقت الرواية، يحصل المذيع على لقب "سبق صحفي"، وإذا انهارت، تظهر عبارات الإنقاذ المعتادة: "المعلومات تغيرت"، "حدثت تطورات"، "المعطيات الجديدة فرضت نفسها" وربما لم يعلقوا على كشف حقيقة الشائعة وهو ما يفعلونه في أغلب الأوقات، أما المصدر فلا قلق عليه، المصدر في أمان كامل، لأنه غير موجود أصلا.

لا أحد يستطيع أن يطالبه بتفسير، ولا أن يسأله عن مستنده، ولا أن يواجهه بتناقضاته فهو مظلة مثالية لرواية ممولي إعلام الإخوان الإرهابية يمكن تعديلها كلما اصطدمت بالواقع أو تركها كما هي وتلافي الحقيقة كأنها لم تكن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة