لم تعد أزمة جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج تتعلق بقدرتها على الوصول إلى المنصات الإعلامية أو امتلاك أدوات لإنتاج المحتوى، بقدر ما أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكثر جوهرية: إلى أي مدى تستطيع الجماعة الاستمرار في إخفاء البنية التي تقف خلف هذا النشاط؟ فبعد سنوات من محاولة تقديم إعلامها الخارجي باعتباره نشاطًا مستقلًا تديره شخصيات ومؤسسات وشركات متفرقة، باتت الصورة أكثر وضوحًا؛ وجوه تتغير، وشركات يعاد ترتيب ملكياتها، ومنصات تنتقل من دولة إلى أخرى، لكن الرسالة واحدة، والهدف واحد، والأدوات تعيد إنتاج نفسها بصورة تكشف أن الجماعة لم تتخل عن ماكينة التحريض، وإنما تحاول فقط تغيير شكلها حتى تواصل العمل من خلف الستار.
هذه الاستراتيجية قامت في الأساس على صناعة مسافة بين التنظيم وبين أدواته الإعلامية، بحيث لا يظهر التمويل في صورته المباشرة، ولا تبدو المنصات وكأنها جزء من منظومة واحدة، ويتم توزيع الأدوار بين شخصيات وشركات وكيانات قانونية تتولى عمليات الإنتاج والإدارة والتشغيل، وبذلك تحاول الجماعة صناعة مشهد يبدو متعدد الأصوات، بينما يؤدي في النهاية وظيفة واحدة: إعادة تدوير خطاب يستهدف الدولة المصرية ومؤسساتها، وتضخيم الأزمات، وصناعة حالة مستمرة من التشكيك والغضب والتحريض.
تغيير الوجوه لا يغير الرسالة.. والإعلام الإخواني أمام أزمة انكشاف
أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية هو تراجع الاعتماد على الوجوه الإخوانية المعروفة التي ارتبطت لسنوات بالقنوات والمنصات التي تبث من الخارج، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى أشخاص أقل شهرة، وشركات يمكن أن تحمل أسماء تجارية بعيدة عن اسم الجماعة، وهياكل ملكية وإدارية تسمح باستمرار النشاط حتى مع تغير الأشخاص أو أماكن البث، وتكشف هذه الآلية أن الجماعة أصبحت تدرك أن الظهور المباشر يمثل نقطة ضعف، وأن ارتباط المنصة بالشخصية الإخوانية المعروفة يجعل الرسالة أسهل في التصنيف والمواجهة، ولذلك أصبح التخفي جزءًا من طريقة العمل نفسها.
لكن المفارقة أن محاولة إخفاء الارتباط التنظيمي لم تؤد إلى اختفاء البصمة الإخوانية، فالمحتوى الذي تنتجه هذه المنظومة يكشفها قبل الأسماء، فالخطاب الذي يقوم على استدعاء الأزمات بصورة انتقائية، وتضخيم الوقائع، وإعادة تدوير الشائعات، وتقديم الدولة باعتبارها أصل كل مشكلة، ثم دفع الجمهور إلى حالة دائمة من الغضب والرفض، يظل حاضرًا مهما تغيرت الشاشة أو المذيع أو اسم الشركة. وهنا تتحول عملية تغيير الواجهات من وسيلة لإخفاء الحقيقة إلى مؤشر على محاولة مستمرة للالتفاف عليها.
وتكشف طبيعة البنية المالية والإدارية للإعلام الإخواني في الخارج أن القنوات لا تعمل باعتبارها كيانات إعلامية منفصلة بالمعنى التقليدي، وإنما تحتاج إلى شبكة من الشركات والهياكل القانونية والملكية والإدارة حتى تضمن استمرار البث والإنتاج والإنفاق، وهذا يفسر لماذا أصبحت الشركات والوسطاء جزءًا أساسيًا من المشهد، ولماذا تحولت عملية تتبع التمويل والملكية إلى مدخل مهم لفهم الخريطة الحقيقية لهذه المنصات.
المال خلف الشاشة.. حين يصبح التمويل مفتاح كشف الشبكة
لا يمكن لأي منظومة إعلامية أن تستمر دون موارد مالية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقنوات تعمل على مدار الساعة، وفرق إعداد وتصوير وإنتاج، واستوديوهات، ومذيعين، وتسويق رقمي، ومنصات إلكترونية وحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، ومن هنا يصبح السؤال عن مصدر التمويل أكثر أهمية من متابعة الوجوه التي تظهر أمام الكاميرا؛ لأن الوجه يمكن تغييره خلال ساعات، بينما تحتاج المنظومة التي تقف خلفه إلى بنية مالية وإدارية كاملة.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع انتقال النشاط الإخواني من التمويل المباشر إلى استخدام طبقات متعددة من الوسطاء والكيانات، فهناك شركات تتولى مهام محددة، وأشخاص يمكن أن يظهروا باعتبارهم ملاكًا أو مديرين، وهياكل قانونية تسمح بإعادة ترتيب الملكيات، بما يضمن استمرار المنصة حتى إذا تغير أحد أطرافها، وفي هذا السياق جاءت الإجراءات الأمريكية خلال يناير ويوليو 2026 لتضيف طبقة جديدة من التدقيق الدولي على شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان؛ إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في يناير تصنيف فرعي الجماعة في مصر والأردن ضمن قوائمها الخاصة بمكافحة الإرهاب، ثم أعلنت في يوليو إجراءات جديدة ضد شخصيات وكيانات قالت إنها مرتبطة بشبكات تمويل ودعم لحماس، مشيرة إلى استخدام واجهات خيرية وشبكات مالية عابرة للحدود لإخفاء وتحريك الأموال.
واللافت هنا أن فكرة «الواجهة» لم تعد مجرد توصيف إعلامي، وإنما أصبحت جزءًا من الطريقة التي تصف بها جهات دولية بنية بعض الشبكات التي يجري التحقيق بشأنها؛ فالعمل من خلال شركات أو كيانات تبدو منفصلة عن النشاط الأساسي يمنح القائمين عليه مساحة للحركة، لكنه في الوقت نفسه يخلق شبكة من الروابط المالية والقانونية التي يمكن تتبعها عندما تبدأ عمليات التدقيق.
من القنوات إلى السوشيال ميديا.. ماكينة واحدة بأدوات متعددة
ولم يعد التحريض الإخواني يعتمد على القنوات الفضائية وحدها، بعدما أدركت الجماعة أن المنصات الرقمية تمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور، وإعادة نشر المحتوى بسرعة، وتقطيع الرسالة الواحدة إلى عشرات المنشورات والمقاطع والتعليقات. وهكذا انتقلت الماكينة من نموذج «القناة التي تبث» إلى نموذج أكثر انتشارًا يقوم على إنتاج الرسالة ثم توزيعها على عدد كبير من الحسابات والمنصات، بما يعطي انطباعًا بوجود أصوات عديدة تتحرك في الاتجاه نفسه.
إلا أن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها نقطة ضعف واضحة؛ فكلما زادت إعادة تدوير المحتوى نفسه، أصبح التشابه بين الحسابات والمنصات أكثر وضوحًا، وأصبح من الأسهل ملاحظة وحدة الرسالة وتزامن الحملات وتكرار المفردات والزوايا نفسها في التعامل مع الأحداث. وبدلًا من أن يؤدي تعدد المنصات إلى صناعة تأثير مستقل، قد يتحول إلى عملية تضخيم للرسالة ذاتها، خصوصًا عندما تكون الأولوية هي سرعة الانتشار وليس تقديم معلومات جديدة أو معالجة موضوعية للوقائع.
وهنا يمكن فهم انتقال الجماعة إلى العالم الرقمي باعتباره محاولة للتكيف مع واقع جديد أكثر من كونه دليلًا على تجدد مشروعها؛ فهي تغير الوسيلة لأن الوسيلة القديمة لم تعد تحقق التأثير نفسه، لكنها تحتفظ بالمضمون والأدوات الذهنية ذاتها، وفي مقدمتها صناعة الاستقطاب وتغذية حالة الشك وتوظيف الأزمات في خدمة خطاب سياسي يقوم على التحريض.
سقوط القناع.. لماذا أصبح التخفي عبئًا على الجماعة؟
المفارقة أن الجماعة التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها تنظيمًا قادرًا على الحركة في ظروف مختلفة، أصبحت مضطرة إلى استخدام طبقات متزايدة من الواجهات حتى تحافظ على استمرار نشاطها الخارجي. وهذا يعني أن التخفي الذي كان في وقت سابق أداة لحماية الشبكة، أصبح مع مرور الوقت جزءًا من المشكلة؛ لأن كثرة الأسماء والشركات والواجهات لا تلغي وجود الشبكة، بل تجعل البحث عن الروابط بينها أكثر أهمية.
فحين تتغير الملكية ولا تتغير الرسالة، وحين تتبدل الوجوه ولا يتغير الخطاب، وحين تنتقل المنصة من هيكل قانوني إلى آخر بينما يستمر نشاطها، فإن القضية لم تعد مرتبطة بشخص بعينه، وإنما بمنظومة كاملة تسعى إلى الحفاظ على الأدوات حتى بعد سقوط بعض عناصرها. وهذا هو المعنى الحقيقي لسقوط «الوجوه الخفية»: ليس سقوط أفراد فقط، وإنما انكشاف الأسلوب الذي اعتمدت عليه الجماعة لتبدو أكبر من حجمها وأكثر تعددًا مما هي عليه بالفعل.
إفلاس أدوات التحريض.. حين لا تكفي كثرة المنصات لصناعة التأثير
الأزمة الأعمق التي تواجه ماكينة التحريض الإخوانية في الخارج ليست في قدرتها على إنتاج محتوى جديد، وإنما في قدرتها على إقناع الجمهور بأن هذا المحتوى يمثل حقيقة مستقلة وليس جزءًا من مشروع سياسي وتنظيمي أوسع. فامتلاك عشرات الحسابات والمنصات لا يخلق بالضرورة عشرات الأصوات، وتغيير أسماء الشركات لا يغير طبيعة الرسالة، واستبدال الوجوه لا يمحو الخلفية التي تقف وراء الخطاب.
وبهذا المعنى، فإن الإفلاس الحقيقي لأدوات التحريض لا يعني اختفاء القنوات أو توقف المنصات عن العمل، وإنما يعني تآكل قدرتها