مر قرابة 67 عامًا على العرض الأول لفيلم "دعاء الكروان"، الذي عُرض في 22 سبتمبر عام 1959، ليبقى واحدًا من العلامات الفارقة في تاريخ السينما المصرية، بفضل المعالجة السينمائية التي قدمها المخرج هنري بركات عن رواية الأديب طه حسين، و سيناريو وحوار يوسف جوهر، وبطولة فاتن حمامة وأحمد مظهر وزهرة العلا وأمينة رزق.
دعاء الكروان.. 67 عامًا على واحدة من كلاسيكيات السينما المصرية
لم تكن قوة دعاء الكروان، نابعة من حكايته وحدها، وإنما من الطريقة التي حول بها صناع الفيلم مأساة اجتماعية إلى صراع نفسي متشابك، تتداخل فيه الرغبة في الانتقام مع الحب، وتتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الضحية والجاني، إذ تبدأ الأحداث من منزل مهندس الري، الذي لا يُذكر اسمه طوال الفيلم، إذ يظل حاضرًا باسم "الباشمهندس"، وهي تسمية تمنحه منذ البداية قدرًا من الغموض والسلطة، والتي تقع في غرامه هنادي، التي جسدت شخصيتها زهرة العلا، وتنشأ بينهما علاقة تقودها إلى مصير مأساوي، بعدما تُكتشف علاقتها به، فتدفع الثمن على يد خالها، أمام شقيقتها آمنة، التي تؤدي دورها فاتن حمامة.
فاتن حمامة وأحمد مظهر.. مواجهة نفسية صنعتها لغة العيون والصمت
لكن مقتل هنادي لا يمثل سوى بداية الحكاية الحقيقية، فالمأساة تدفع آمنة إلى قرار الانتقام، فتتسلل إلى عالم المهندس وتعمل على استدراجه، مستبدلة شقيقتها في المكان نفسه الذي شهد سقوطها، وهنا ينتقل الفيلم من حكاية جريمة وثأر إلى لعبة نفسية أكثر تعقيدًا، يصبح فيها الانتقام نفسه اختبارًا للمشاعر.
تتخذ آمنة من الحب وسيلة للثأر، فتنجح في جعل المهندس يقع في غرامها، وتبدأ في تعذيبه نفسيًا، لكنها سرعان ما تجد نفسها في مواجهة مشاعر لم تكن في حساباتها، فالرجل الذي دخلت عالمه بهدف الانتقام يتحول تدريجيًا إلى شخص تحبه، لتجد نفسها ممزقة بين دم شقيقتها من ناحية، وقلبها من ناحية أخرى.
وهنا تظهر قوة الأحداث، فالفيلم لا يقدم الانتقام باعتباره غاية سهلة أو مباشرة، وإنما يجعله طريقًا يقود صاحبته إلى مواجهة نفسها، آمنة لا تحارب المهندس وحده، بل تخوض معركة داخلية بين رغبتها في القصاص وعجزها عن إنكار الحب.
كما أن اختيار عدم الكشف عن اسم"الباشمهندس"، يضيف إلى الشخصية دلالة تتجاوز الفرد، فهو ليس مجرد رجل بعينه بقدر ما يمثل منظومة من السلطة الاجتماعية والذكورية التي تدفع الشخصيات الأخرى إلى دفع ثمن أخطائها وقراراتها.
وبفضل أداء فاتن حمامة، الذي اعتمد بدرجة كبيرة على التعبير الداخلي والانفعالات المكتومة، وأحمد مظهر الذي قدم شخصية المهندس بقدر من الهدوء والغموض، وزهرة العلا في حضورها المؤثر رغم قصر مساحة الشخصية، استطاع الفيلم أن يجعل الصمت جزءًا أساسيًا من الدراما.