ـ مشوار العالم المصرى من الإسكندرية لـ ألمانيا للولايات المتحدة
ـ قصة الإنجاز البحثى للعالم المصرى أحمد الجندى
ـ ماذا أثبتت الأبحاث بالفعل وماذا ينتظرها
من معامل الفيزياء وعلوم المواد إلى نماذج حيوانية لأورام الثدي والبروستاتا، قطع العالم المصري الدكتور أحمد أحمد الجندي رحلة بحثية امتدت لنحو 20 عامًا، ركز خلالها على المواد النانوية المغناطيسية وتطبيقاتها الطبية، وصولًا إلى اتجاه بحثي جديد يدرس إمكانية استخدام الحركة والقوة الميكانيكية للجسيمات النانوية في استهداف الخلايا السرطانية.

العالم المصرى أحمد الجندى
وفي حوار خاص لـ«اليوم السابع»، روى الدكتور أحمد الجندي، الأستاذ المشارك للفيزياء بجامعة تكساس في إل باسو الأمريكية، تفاصيل رحلته العلمية، التي بدأت من الإسكندرية، ثم انتقل بعدها إلى ألمانيا للدراسة بجامعة هايدلبرج، قبل أن يواصل مسيرته البحثية في الولايات المتحدة. وتؤكد جامعة تكساس أن الجندي يعمل في مجال الجسيمات النانوية المغناطيسية منذ نحو 20 عامًا، وتشمل اهتماماته العلاج الحراري المغناطيسي للسرطان وتوصيل الأدوية والتصوير بالرنين المغناطيسي.
من الإسكندرية إلى ألمانيا ثم الولايات المتحدة
حصل الجندي على الدكتوراة في الفيزياء من جامعة هايدلبرج بألمانيا عام 2011، وعمل بعدها في عدة مواقع بحثية وأكاديمية في الولايات المتحدة، قبل أن ينضم إلى جامعة تكساس في إل باسو ويؤسس مجموعته البحثية في مجال النانو المغناطيسي والمواد الحيوية. ووفق ملفه الأكاديمي، يتعاون منذ عام 2021 مع مركز إم. دي. أندرسون للسرطان في أبحاث لتطوير أساليب بديلة لعلاج السرطان.
ويقول الجندي إن اختياره توظيف الفيزياء التطبيقية في مجال السرطان جاء من رغبته في أن يكون للعلم الذي يدرسه تأثير مباشر في خدمة المرضى والمجتمع، معبرًا عن سعادته باهتمام المصريين بأبحاثه واحتفائهم بما يقدمه.
ما هو النانو المغناطيسي؟
يشرح الجندي لـ اليوم السابع أن «النانو مغناطيس» هو مادة مغناطيسية مثل الحديد، لكن بحجم بالغ الصغر يتراوح بين 1 و100 نانومتر، أي من 1 إلى 100 من المليار من المتر.

محاضرة للعالم المصرى
وتتميز هذه الجسيمات بإمكانية الاستجابة للمجال المغناطيسي الخارجي، وهو ما فتح الباب أمام الباحثين لدراسة استخدامها في تطبيقات طبية، من بينها توصيل الأدوية والتصوير والعلاج التجريبي للأورام.
البداية كانت بالحرارة
أحد المسارات التي درسها الجندي وفريقه هو العلاج الحراري المغناطيسي Magnetic Hyperthermia.
وتقوم الفكرة على وجود جسيمات مغناطيسية داخل الورم أو بالقرب منه، ثم تطبيق مجال مغناطيسي متناوب يجعل الجسيمات تستجيب للمجال وتولد حرارة في المنطقة المستهدفة، بما قد يساعد على إتلاف الخلايا السرطانية.
وفي يوليو 2026، أعلنت جامعة تكساس نتائج بحث لفريق الجندي حول جسيمات من منجنيز-فيريت، أظهرت قدرة أعلى على توليد الحرارة مقارنة بجسيمات أخرى في الاختبارات المعملية. لكن الجامعة أوضحت أن هذه الدراسة أجريت في أنابيب اختبار، وليس على خلايا أو حيوانات، وأن الخطوات التالية تشمل اختبار الأمان والاستهداف والفعالية في الأنظمة الحية.
السؤال الذي غيّر مسار البحث: ماذا لو لم تكن الحرارة هي السبب؟
مع استمرار التجارب، لاحظ الفريق في أبحاث أحدث انخفاضًا في الأورام مع استخدام الجسيمات والمجال المغناطيسي دون وجود تسخين كتلي واضح يمكن أن يفسر التأثير وحده.
ومن هنا ظهر سؤال بحثي جديد: إذا لم تكن الحرارة هي العامل الأساسي، فكيف تتأثر الخلية السرطانية؟

العالم أحمد الجندى
يقول الجندي إن الفريق بدأ دراسة فرضية تعتمد على أن المجال المغناطيسي يمكن أن يولد حركة ودورانًا وعزمًا ميكانيكيًا للجسيمات النانوية، بما قد يؤدي إلى تأثيرات ميكانيكية داخل الخلية أو على غشائها.
وهنا يأتي مفهوم Magneto-Mechanical أو التأثير المغناطيسي-الميكانيكي، الذي يختلف عن العلاج الحراري؛ فالفكرة في هذا المسار ليست تسخين الورم أساسًا، وإنما دراسة ما يمكن أن تحدثه الحركة والقوى الميكانيكية للجسيمات المغناطيسية في الخلايا السرطانية.
ماذا أثبتت الأبحاث بالفعل؟
في أغسطس 2026، نُشرت دراسة شارك فيها الجندي في دورية Acta Biomaterialia، واستخدم الباحثون جسيمات نانوية فائقة البارامغناطيسية من الحديد والكربون مع مجال مغناطيسي متناوب.
واختبرت الدراسة التقنية في نماذج حيوانية لسرطان الثدي والبروستاتا، وأظهرت تراجعًا ملحوظًا في الأورام، مع عدم وجود تسخين كتلي قابل للكشف يفسر التأثير بالكامل. وتشير الدراسة إلى أن التأثير ارتبط بالديناميكا المغناطيسية للجسيمات على المستوى النانوي، وهي نتائج قبل سريرية تحتاج إلى مزيد من البحث.
وهذه ليست أول خطوة في هذا المسار؛ فقد سبقتها دراسة منشورة عام 2025 اختبرت جسيمات الحديد والكربون في خلايا سرطان الثدي والبروستاتا، وأظهرت انخفاضًا في حيوية الخلايا بعد التعرض للمجال المغناطيسي، وهو ما وفر أساسًا للانتقال إلى دراسات حيوانية.
هل التقنية أصبحت علاجًا للسرطان؟
الإجابة حتى الآن: لا.
فالنتائج المنشورة تمثل تقدمًا بحثيًا في مرحلة ما قبل التجارب السريرية، لكنها لا تثبت بعد أن التقنية آمنة وفعالة لدى البشر، ولا يمكن اعتبارها بديلًا للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو الجراحة أو العلاجات الموجهة المعتمدة.
ويؤكد الجندي أن الفريق يحتاج إلى إجراء تجارب على أنواع أكثر من الخلايا السرطانية، وأعداد أكبر من الحيوانات، وفهم آلية التأثير بصورة أدق، إلى جانب دراسة السلامة والآثار الجانبية وتوفير التمويل اللازم.
متى يمكن أن تصل التقنية إلى المرضى؟
لا يحدد الجندي موعدًا للوصول إلى المرضى، موضحًا أن الانتقال إلى التجارب السريرية يحتاج أولًا إلى استكمال الدراسات قبل السريرية، والتأكد من السلامة والفعالية، ثم استيفاء المتطلبات والموافقات التنظيمية اللازمة.

العالم أحمد الجندى
ويؤكد أن الطريق يحتاج إلى وقت وتمويل وأبحاث إضافية، ولذلك لا يمكن حاليًا إعطاء موعد محدد لاستخدام التقنية في المستشفيات.
وهل اقترب العالم من القضاء على السرطان؟
رغم التطور الكبير في أبحاث السرطان، لا توجد تقنية واحدة يمكنها القضاء على جميع أنواع السرطان؛ فالسرطان ليس مرضًا واحدًا، وإنما مجموعة كبيرة من الأمراض تختلف في خصائصها الجزيئية والبيولوجية واستجابتها للعلاج.
لكن ما تفعله أبحاث النانو المغناطيسي هو فتح مسار جديد لمحاولة جعل استهداف الورم أكثر دقة، سواء باستخدام الحرارة أو بدراسة القوى الميكانيكية الناتجة عن الجسيمات النانوية.
وبالنسبة للجندي، فإن الهدف في هذه المرحلة ليس إعلان علاج نهائي للسرطان، وإنما تحويل فكرة علمية بدأت في معامل الفيزياء إلى تقنية يمكن اختبارها بصورة أكثر دقة، وصولًا – إذا أثبتت الدراسات سلامتها وفعاليتها – إلى التجارب السريرية ثم المرضى.
