من الخبر إلى المسرحية.. كيف يحول المذيعون الهاربون الواقعة المصرية من معلومة محددة إلى كارثة على الهواء؟.. صراخ وتهويل ومصادر مجهولة يخفون ورائها الأكاذيب.. وإعادة تدوير تصنع رواية أكبر من الحدث

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من الخبر إلى المسرحية.. كيف يحول المذيعون الهاربون الواقعة المصرية من معلومة محددة إلى كارثة على الهواء؟.. صراخ وتهويل ومصادر مجهولة يخفون ورائها الأكاذيب.. وإعادة تدوير تصنع رواية أكبر من الحدث إعلام الاخوان

كتبت إسراء بدر

في نشرات الأخبار، تبدأ الحكاية عادة من واقعة محددة تتمثل في تصريح، قرار، حادث، بيان رسمي أو تطور سياسي، لكن على المنصات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، قد لا تبقى الواقعة في حدودها الأصلية طويلا، إذ تنتقل من مجرد خبر إلى رواية مكتملة العناصر، تبدأ بعنوان مثير، ثم قراءة انفعالية، ثم استنتاجات تتجاوز المعلومات المتاحة، قبل أن تعود المنصات والحسابات إلى إعادة تدوير الرواية نفسها وكأن كثرة تكرارها تمنحها صفة الحقيقة.

هنا لا يصبح الميكروفون مجرد وسيلة لنقل المعلومة، وإنما يتحول إلى جزء من صناعة الرواية، خصوصا عندما تتراجع مساحة التفاصيل الموثقة لصالح عبارات واسعة من نوع «كارثة»، و«انهيار»، و«مصادر خاصة»، و«معلومات خطيرة»، من دون تقديم معلومات قابلة للتحقق تكفي لتفسير حجم العنوان أو الاستنتاج المطروح.

من واقعة محددة إلى رواية مفتوحة

الخطوة الأولى تبدأ غالبا من معلومة حقيقية أو واقعة قابلة للنقل، ثم يجري توسيع إطارها أثناء التناول الإعلامي، فالخبر قد يكون عن قرار إداري أو تطور سياسي محدد، لكن المعالجة تنتقل سريعا إلى الحديث عن تداعيات أوسع، ثم إلى استنتاجات تتعلق بمستقبل الدولة أو مؤسساتها، بما يخلق مسافة واضحة بين حجم الواقعة وحجم الرواية التي تقدم على الشاشة.

وتزداد هذه الفجوة عندما يحل التوصيف محل المعلومة، فيصبح وصف الواقعة بأنها «انهيار» أو «زلزال» أو «كارثة» هو العنصر الأبرز في المادة، بينما تتراجع التفاصيل التي تسمح للمشاهد بتقييم الحدث بنفسه.

«مصادر خاصة».. حين يصبح المصدر جزءا من الحكاية
 

من أكثر الأدوات التي تحتاج إلى التدقيق عبارة «مصادر خاصة» أو «معلومات من داخل دوائر القرار»، خصوصا عندما تستخدم لتقديم معلومة جوهرية دون تحديد طبيعة المصدر أو إمكانية التحقق من المعلومات المنسوبة إليه.

وجود مصدر مجهول لا يعني تلقائيا أن المعلومة خاطئة، فالمصادر السرية تستخدم أحيانا لأسباب مهنية وقانونية، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح العبارة نفسها بديلا عن الدليل، أو عندما تُبنى عليها استنتاجات كبيرة دون تقديم ما يكفي لاختبارها، وهنا يصبح السؤال المهني بسيطا: ما الجزء الذي نعرفه بالفعل؟ وما الجزء الذي يمثل تحليلا أو توقعا أو رواية منسوبة إلى مصدر لم يكشف عن هويته؟ وإذا كان من المهنية ألا يعلن المذيع عن مصدره إذا كان المصدر رفض ذكر اسمه فهو الأمر الذى يستغله إعلام الإخوان طوال الوقت لتكن الثغرة التي يبثون من خلالها أكاذيبهم ويعلنوها على لسان مصدر مجهول يتخفوا وراءه.

من «عاجل» إلى «انهيار» في دقائق

العنوان العاجل يفترض أن ينقل تطورا جديدا، لكن تحويل كل تطور إلى حالة استثنائية يغير طبيعة التلقي، فالمشاهد الذي يرى سلسلة متتابعة من عبارات الطوارئ والكارثة والانهيار قد يتعامل مع الوصف باعتباره جزءا من الخبر نفسه، بينما هو في الحقيقة توصيف إعلامي يحتاج إلى دليل مستقل.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين ثلاث طبقات: الواقعة المؤكدة، والتفسير الذي يقدمه المذيع، والاستنتاج الذي يطلب من الجمهور تصديقه، وكلما اختلطت هذه المستويات، أصبح من السهل نقل المتلقي من معلومة محدودة إلى صورة أكبر بكثير من الوقائع التي انطلقت منها.

إعادة التكرار تصنع الانطباع

المشهد لا يتوقف عند شاشة واحدة إلا أن الرواية تنتقل من المذيع إلى عنوان على منصة إلكترونية، ثم إلى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تعود إلى برنامج آخر باعتبارها «معلومة متداولة»، فالخبر لا يصبح أكثر صحة لأنه ظهر عشر مرات، ولا تتحول المعلومة المجهلة إلى معلومة موثقة لمجرد أن عدة حسابات أعادت نشرها.

المذيع بين نقل الخبر وصناعة الانطباع

المذيع الذي يتعامل مع واقعة سياسية أو اقتصادية أو أمنية يملك مساحة كبيرة في تشكيل طريقة استقبال الجمهور لها، ولذلك يصبح الفرق بين نقل الخبر وتوجيه الانطباع فارقا أساسيا، فعندما يتم تقديم المعلومة، ثم شرح خلفيتها، ثم عرض ما هو مؤكد وما هو محل خلاف، يحصل المشاهد على فرصة لتكوين موقفه من الوقائع. أما عندما تبدأ المعالجة بالاستنتاج وتنتهي بالواقعة، فإن الخبر يتحول إلى مجرد مادة لإثبات الرواية التي سبقت عرضه.

ومن هنا تصبح نبرة الصوت، وطريقة اختيار العنوان، وتكرار الكلمات ذات الدلالات الكارثية، وترتيب المعلومات، عناصر مؤثرة في صناعة الصورة الذهنية بقدر المعلومات نفسها.

عندما يصبح الاستوديو مسرحا للحدث

النتيجة النهائية لهذه الطريقة في التناول أن الواقعة قد تفقد حجمها الحقيقي أثناء انتقالها بين العناوين والتعليقات والمنصات، فتتحول من خبر يحتاج إلى التحقق إلى قصة متكاملة لها بطل وضحية وأزمة ونتيجة متوقعة، وهنا تحديدا ينتقل الإعلام من نقل الحدث إلى صناعة «مسرحية إعلامية» حول الحدث؛ ليس لأن كل ما يقال بالضرورة مختلق، وإنما لأن عناصر حقيقية قد يعاد ترتيبها وتضخيمها وإعادة تفسيرها بحيث تقدم للجمهور في صورة مختلفة عن حجمها وسياقها الأصلي.

اختبار بسيط يسقط الرواية

في مواجهة هذا النوع من الخطاب لا يحتاج القارئ أو المشاهد إلى عشرات الأدوات وإنما إلى العودة دائما إلى أصل المعلومة: ما الواقعة؟ من أعلن عنها؟ ما الوثيقة أو التصريح الذي تستند إليه؟ هل هناك مصدر مستقل يؤكدها؟ وما الذي أضيف إليها لاحقا باعتباره تحليلا أو استنتاجا، هذه الأسئلة تفصل بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والتفسير، وبين ما حدث بالفعل والقصة التي صنعت حوله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة