عززت نتائج الانتخابات الأخيرة في شرق ألمانيا موقع حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي تصنفه أجهزة الاستخبارات الألمانية كحزب يميني متطرف، وأعادت طرح تساؤلات حول أسباب تنامي شعبية اليمين المتطرف في الولايات التي كانت جزءًا من ألمانيا الشرقية الشيوعية.
وحقق حزب البديل من أجل ألمانيا فوزًا جديدًا في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، بعدما حصل على 38% من الأصوات في انتخابات 20 سبتمبر، وذلك بعد أسبوعين فقط من حصوله على 44% في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، ليصبح على بعد ثلاثة مقاعد فقط من تشكيل حكومة إقليمية، وفقًا لما أوردته "بي بي سي موندو".
وفي مكلنبورغ-فوربومرن، حصل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) بزعامة المستشار فريدريش ميرز على 4.9% فقط من الأصوات، وهي نتيجة تعني خروجه من البرلمان الإقليمي للمرة الأولى في تاريخه، بحسب النتائج الرسمية الواردة في التقرير.
شرق ألمانيا.. بيئة خصبة لصعود AfD
وتشير هذه النتائج إلى اتجاه مستمر خلال السنوات الماضية، إذ تحول شرق ألمانيا إلى أحد أبرز معاقل حزب البديل من أجل ألمانيا انتخابيًا.
ويربط التقرير بين هذا الصعود وعدد من العوامل، أبرزها التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لإعادة توحيد ألمانيا، إلى جانب قضايا الهجرة، والشعور لدى قطاعات من سكان الشرق بأنهم لم يستفيدوا بالقدر نفسه من عملية الوحدة الألمانية.
وقال عالم السياسة مانس فايسكيرشر، من جامعة دريسدن التقنية، إن كثيرًا من الألمان الشرقيين ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، بينما يرى عالم السياسة الألماني رولف فرانكنبرجر أن إعادة توحيد ألمانيا أفرزت رابحين وخاسرين، وكان سكان الشرق، في نظر كثير منهم، ضمن الفئة الأخيرة.
فجوة الأجور والهجرة من الشرق إلى الغرب
ورغم التحسن الكبير في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشرق ألمانيا منذ إعادة التوحيد، فإن الفجوة لا تزال قائمة.
ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن المكتب الاتحادي للإحصاء، يحصل العامل في الولايات الشرقية الخمس على متوسط أجور يقل بنحو 17% عن نظيره في الولايات الغربية.
كما انخفض عدد سكان ألمانيا الشرقية السابقة، باستثناء برلين الشرقية السابقة، بنسبة 16% خلال السنوات الـ35 الماضية، فيما سجلت ساكسونيا-أنهالت أكبر تراجع سكاني بنسبة 26%.
ولا ترتبط هذه الهجرة بفارق الأجور فقط، إذ لعب نقص فرص العمل دورًا رئيسيًا أيضًا. ويشير التقرير إلى أن أكثر من ثلث المؤسسات المملوكة للدولة في ألمانيا الشرقية سابقًا أُغلق بعد إعادة التوحيد، بينما تمت خصخصة المؤسسات المتبقية، ما ساهم في ارتفاع معدل البطالة إلى 25% في ذلك الوقت، قبل أن ينخفض لاحقًا إلى أقل من 10%.
من الشيوعية إلى اليمين المتطرف
ويرى بعض الباحثين أن جذور الظاهرة لا ترتبط فقط بالتداعيات الاقتصادية للوحدة، وإنما أيضًا بالإرث السياسي والاجتماعي لألمانيا الشرقية.
ويشير التقرير إلى أن عملية "اجتثاث النازية" في ألمانيا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية كانت أقصر بكثير من نظيرتها في ألمانيا الغربية، رغم أن ولايات مثل ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن كانت من معاقل النازية في ثلاثينيات القرن الماضي.
كما يرى باحثون أن أربعة عقود من الحكم الشيوعي تركت تأثيرًا على علاقة المواطنين بالدولة والمجتمع المدني، في ظل ضعف النقابات والمنظمات المدنية في ألمانيا الشرقية السابقة.
وقال عالم السياسة بنيامين هون إن ألمانيا الشرقية كانت دولة علمانية، وتراجعت فيها مكانة المؤسسات الدينية، كما لم تكن هناك نقابات عمالية مستقلة أو منظمات مجتمع مدني قوية، موضحًا أن انشغال المواطنين بعد عام 1990 بالحفاظ على وظائفهم أو العثور على فرص عمل جديدة جعل المشاركة المجتمعية أولوية أقل بالنسبة لكثيرين.
الهجرة.. مفارقة شرق ألمانيا
وتبرز الهجرة كأحد أهم الملفات التي يستند إليها حزب البديل من أجل ألمانيا، إلا أن صعوده في الشرق يحمل مفارقة لافتة، إذ إن الولايات الشرقية تضم عددًا أقل من المهاجرين مقارنة بالولايات الغربية.
وباستثناء برلين، يقل عدد السكان الأجانب في الولايات الشرقية الخمس عن مليون شخص، ويمثلون نحو 8% من إجمالي السكان، مقابل 16% في الولايات الغربية، وفق بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء لعام 2024.
ويشير التقرير إلى دراسات ألمانية خلصت إلى وجود علاقة عكسية بين التعرض للهجرة ورفضها؛ فكلما قل الاحتكاك بالسكان المهاجرين، ارتفع مستوى الخوف وعدم التسامح تجاههم.
البطالة والعزلة الريفية وهجرة الشباب
ويرى الباحث كلير بيرشيت أن نجاح حزب البديل من أجل ألمانيا يرتبط أيضًا بطريقة ممارسته للسياسة، مشيرًا إلى تنظيم الحزب فعاليات اجتماعية مثل حفلات الشواء، بما يعزز شعور الانتماء إلى المجتمع.
وأضاف أن هذا الأسلوب يجد صدى في مناطق تعاني من ارتفاع البطالة، والعزلة الريفية، وهجرة الشباب، وما يترتب على ذلك من زيادة أعداد كبار السن وانخفاض مستويات التعليم.
اليمين المتطرف ليس ظاهرة شرق ألمانية فقط
لكن التقرير ينقل عن عدد من الخبراء رفضهم تفسير نجاح حزب البديل من أجل ألمانيا باعتباره نتيجة مباشرة لماضي ألمانيا الشرقية وحده.
وقال فايسكيرشر إن تاريخ ألمانيا الشرقية "لا ينبغي المبالغة في أهميته" عند تفسير النجاح الانتخابي لحزب البديل من أجل ألمانيا، مشيرًا إلى أن صعود اليمين المتطرف في شرق ألمانيا ليس استثنائيًا مقارنة ببقية أوروبا.
وأوضح أن أحزاب اليمين المتطرف في دول مثل النمسا وإيطاليا والمجر تحصل على مستويات مماثلة من الدعم على المستوى الوطني، مشيرًا إلى أن الهجرة والوضع الاقتصادي يمثلان عاملين أساسيين في تفسير هذا الصعود.
اليسار أيضًا حاضر بقوة في شرق ألمانيا
ولا يقتصر التحول السياسي في شرق ألمانيا على صعود اليمين المتطرف، إذ حقق حزب اليسار، وهو حزب ذو جذور ما بعد شيوعية، نتيجة بارزة في انتخابات برلين، بعدما حصل على 25% من الأصوات، متقدمًا على الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي حصل على 19%، وحزب البديل من أجل ألمانيا الذي جاء ثالثًا بنسبة 16%.
ويرى بيرشيت أن حزب اليسار وحزب البديل من أجل ألمانيا يقدمان نفسيهما كبدائل للقوى السياسية التقليدية، كما يستخدم الحزبان وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الناخبين، في وقت أصبحت فيه المنصات الرقمية مصدرًا رئيسيًا للمعلومات السياسية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين.
ماذا يعني صعود AfD؟
ويثير احتمال وصول حزب البديل من أجل ألمانيا إلى حكومة إحدى الولايات الألمانية مخاوف تتعلق، إلى جانب مواقفه من الهجرة وتعامله مع تاريخ ألمانيا، بسياساته تجاه الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع روسيا.
ويشير التقرير إلى أن الحزب يدعو إلى إنهاء الدعم لأوكرانيا واستعادة العلاقات مع روسيا، كما أن وصوله إلى السلطة في إحدى الولايات قد يمنحه إمكانية الوصول إلى معلومات استخباراتية سرية.
ورغم ذلك، يرى بعض الباحثين أن نتائج الانتخابات الأخيرة لا تعني حسم المشهد السياسي في شرق ألمانيا، وأن مستقبل المنافسة سيظل مرتبطًا بقدرة الأحزاب الأخرى على استعادة دعم الناخبين.