دفاتر المحبة والطباشير.. كيف فتحت المدارس القبطية أبوابها لكل المصريين قبل الحكومية؟.. من مقاعد مدرسة الأقباط بطوخ إلى قصر الرئاسة جاءت قصة كفاح الرئيس السادات.. "علموهم ولا تورثوهم" فلسفة صنعت نهضة تعليمية

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 04:00 ص
دفاتر المحبة والطباشير.. كيف فتحت المدارس القبطية أبوابها لكل المصريين قبل الحكومية؟.. من مقاعد مدرسة الأقباط بطوخ إلى قصر الرئاسة جاءت قصة كفاح الرئيس السادات.. "علموهم ولا تورثوهم" فلسفة صنعت نهضة تعليمية مسجد وكنيسة

كتب: محمد الأحمدى

فى الأزقة الضيقة للقرى المصرية القديمة، حيث كان صوت المؤذن يتعانق مع أجراس الكنائس، لم تكن المدارس مجرد أماكن لتلقي العلم، بل كانت جزءًا من نسيج المجتمع نفسه. داخل فصول بسيطة وأمام ألواح خشبية متواضعة، جلس أبناء القرية الواحدة جنبًا إلى جنب، لا يفرق بينهم دين أو انتماء، بل تجمعهم رغبة واحدة في التعلم وصناعة مستقبل أفضل.

هذه الصورة التي تبدو اليوم أقرب إلى الحنين للماضي، تكشفها وثائق ودراسات تاريخية مهمة، من بينها كتاب «الأقباط والتعليم في مصر الحديثة» للدكتور سليمان نسيم، الذي يوثق الدور الذي لعبته المدارس القبطية في نشر التعليم داخل المجتمع المصري، ويؤكد أنها لم تكن مؤسسات مغلقة على أبناء الطائفة القبطية، بل استقبلت أبناء المصريين جميعًا في وقت كانت فيه فرص التعليم محدودة في كثير من المناطق.

«علموهم ولا تورثوهم».. فلسفة صنعت نهضة تعليمية

ويستعرض الدكتور سليمان نسيم في كتابه واحدة من أهم الأفكار التي شكلت العقل القبطي تجاه التعليم، وهي المقولة الشهيرة: «علموهم ولا تورثوهم».

لم يكن الشعار مجرد حكمة متداولة، بل تحول إلى فلسفة اجتماعية كاملة. فقد أدرك الأقباط فى فترات تاريخية اتسمت بالاضطراب السياسي والاقتصادي أن الثروة قد تضيع، وأن الممتلكات قد تتعرض للمصادرة أو التبدد، بينما يبقى العلم هو الثروة الحقيقية التي لا يمكن انتزاعها من صاحبها.

ومن هذا المنطلق، أصبحت المدرسة مشروعًا مجتمعيًا، وسيلة للحفاظ على الإنسان وصناعة مستقبله، وليس مجرد مؤسسة تعليمية مرتبطة بطائفة أو جماعة بعينها.

مدارس مفتوحة للجميع

بحسب ما يورده كتاب «الأقباط والتعليم في مصر الحديثة»، فإن العديد من المدارس القبطية التي انتشرت في القرى والمدن المصرية كانت تؤدي دورًا وطنيًا واسعًا، خاصة في المناطق التي لم تكن تتوافر فيها مؤسسات تعليمية كافية.

ولهذا السبب، وجد أبناء الأسر المسلمة والمسيحية أنفسهم داخل الفصول نفسها، يتلقون المناهج ذاتها ويتعلمون على أيدي المعلمين أنفسهم، في تجربة مبكرة جسدت مفهوم المواطنة قبل أن يتحول إلى مصطلح متداول في الخطاب العام.

ولم يكن هذا الانفتاح استثناءً أو حالة فردية، بل كان جزءًا من طبيعة هذه المدارس التي رأت أن نشر التعليم مسؤولية وطنية تتجاوز الحدود الدينية.

السادات تلميذًا في مدرسة الأقباط

ومن أكثر الشواهد دلالة على هذا الواقع، ما رواه الرئيس الراحل أنور السادات في مذكراته «البحث عن الذات».

فقد كشف السادات أنه تلقى جزءًا من تعليمه المبكر في «مدرسة الأقباط بطوخ»، وهي مدرسة كانت تستقبل أبناء المنطقة دون تمييز.

ويقول السادات في مذكراته: «نقلتني جدتي إلى مدرسة الأقباط بطوخ»، مشيرًا إلى أنها كانت تقع بالقرب من قريته ميت أبو الكوم.

كما استعاد ذكرياته مع أحد معلميه قائلًا: «ما زلت أذكر بوضوح مسيو مينا المدرس الذي كان يعلمنا كل شيء والذي كنا نخشاه ونحبه في نفس الوقت».

هذه الشهادة التي يرويها رئيس مصري تولى قيادة البلاد لاحقًا، تعكس طبيعة الحياة التعليمية في الريف المصري خلال تلك الفترة، حيث كان الطفل المسلم يتلقى العلم على يد معلم قبطي دون حساسيات أو حواجز، في مشهد يعبر عن طبيعة المجتمع المصري آنذاك.

لماذا نجحت المدارس القبطية في جذب أبناء مختلف الطوائف؟

يربط الدكتور سليمان نسيم بين نجاح المدارس القبطية وبين اهتمامها الكبير باللغة العربية.

فالأقباط، بعد انتقال الإدارة المصرية إلى العربية وتعريب الدواوين، لم ينعزلوا عن الواقع الجديد، بل انخرطوا فيه بقوة، وظهر بينهم علماء ومؤلفون كتبوا بالعربية وأسهموا في تطويرها ونشرها.

ويشير الكتاب إلى الدور الذي لعبه عدد من الشخصيات القبطية البارزة، مثل الأنبا ساويرس ابن المقفع وعائلة أولاد العسال، في إثراء التراث العربي المسيحي، وهو ما انعكس لاحقًا على المدارس القبطية التي أصبحت من المؤسسات المتميزة في تدريس اللغة العربية والخط العربي.

هذا التميز منح تلك المدارس سمعة جيدة بين الأهالي، وجعلها وجهة مفضلة للراغبين في تعليم أبنائهم وتأهيلهم للعمل في المصالح الحكومية والدواوين الرسمية.

رجال صنعوا نهضة التعليم في الأقاليم

لا يتوقف الكتاب عند المؤسسات فقط، بل يسلط الضوء على شخصيات لعبت دورًا محوريًا في نشر التعليم داخل المحافظات.

ومن بين هذه الشخصيات مرقس بك يوسف الحبشي، ابن قرية البتانون بمحافظة المنوفية، الذي بدأ رحلته التعليمية في كُتّاب القرية قبل أن يتدرج في الوظائف الحكومية ويصبح من الشخصيات المؤثرة في دعم التعليم الأهلي ونشر المعرفة.

كما يتناول الكتاب سيرة القمص فيلوثيئوس إبراهيم، الذي جمع بين الخدمة الدينية والعمل التعليمي، وأسهم في تأسيس مدارس ومؤسسات تعليمية، ووضع مؤلفات لتبسيط العلوم واللغات أمام الدارسين.

وتكشف هذه النماذج كيف ارتبط التعليم في تلك المرحلة بالمبادرات الفردية والجهود المجتمعية، قبل ظهور منظومات التعليم الحديثة بالشكل الذي نعرفه اليوم.

التعليم وصناعة الانتماء الوطني

لم تكن المدارس القبطية معنية فقط بتعليم القراءة والكتابة، بل ساهمت أيضًا في ترسيخ قيم الانتماء الوطني.

ويورد الدكتور سليمان نسيم عددًا من المواقف التي عكست تمسك القيادات الكنسية بمصر ورفضها لأي شكل من أشكال الحماية الأجنبية.

ومن أشهر هذه الوقائع موقف البابا بطرس الجاولى عندما عرض عليه القنصل الروسى حماية الأقباط تحت رعاية الإمبراطورية الروسية، فكان رده التاريخي: «إننا في حمى ملك لا يموت».

هذا الموقف لم يكن مجرد رد دبلوماسي، بل تعبيرًا عن رؤية وطنية تشكلت داخل مجتمع رأى في مصر وطنًا نهائيًا لا بديل عنه.

مدارس صنعت نموذجًا مصريًا فريدًا

وتكشف قصة المدارس القبطية أن التعليم في مصر لم يكن يومًا مشروعًا منعزلًا أو حكرًا على فئة بعينها، بل كان أحد الجسور التي جمعت المصريين على اختلاف انتماءاتهم.

ومن داخل تلك الفصول البسيطة خرج موظفون ومعلمون وقادة ورجال دولة، كان من بينهم طفل صغير اسمه محمد أنور السادات، جلس يومًا على أحد المقاعد الخشبية في مدرسة قبطية بريف المنوفية، قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية.

ولهذا تبقى المدارس القبطية صفحة مهمة من تاريخ التعليم المصري، ليس فقط لأنها ساهمت في نشر المعرفة، ولكن لأنها قدمت نموذجًا عمليًا للوحدة الوطنية، عندما فتحت أبوابها للجميع تحت سقف واحد اسمه مصر.

الكتاتيب فى مصر للمسلمين والمسيحيين معا من كتاب الأقباط والتعليم
الكتاتيب فى مصر للمسلمين والمسيحيين معا من كتاب الأقباط والتعليم

 

كتاب البحث عن الذات
كتاب البحث عن الذات



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة