مالي تحت نيران الإرهاب.. هجوم واسع يستهدف قاعدة ديورا العسكرية.. مقتل أكثر من 50 جنديا ماليا و5 من فيلق أفريقيا وأَسر عشرات الجنود.. جماعة جهادية تعلن السيطرة على الموقع.. والجيش المالي ينفذ عمليات جوية وبرية

الإثنين، 21 سبتمبر 2026 01:00 ص
مالي تحت نيران الإرهاب.. هجوم واسع يستهدف قاعدة ديورا العسكرية.. مقتل أكثر من 50 جنديا ماليا و5 من فيلق أفريقيا وأَسر عشرات الجنود.. جماعة جهادية تعلن السيطرة على الموقع.. والجيش المالي ينفذ عمليات جوية وبرية الجيش المالي _ أرشيفية

كتبت ريهام عبد الله

لم يعد الهجوم على معسكر ديورا في وسط مالي مجرد حادث أمني جديد في حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، بعدما كشفت حصيلته الأولية عن سقوط ما لا يقل عن 50 جنديًا ماليًا وخمسة من عناصر "فيلق افريقيا" الروسي، بينما رفعت مصادر أخرى تقديرات القتلى إلى ما بين 60 و80 عسكريًا، مع حديث عن أسر عشرات الجنود.

الهجوم الذي نفذته جماعة جهادية مرتبطة بتنظيم القاعدة، جاء في لحظة تتزايد فيها الضغوط العسكرية على المجلس العسكري الحاكم في باماكو، مع اتساع نطاق عمليات الجماعات المسلحة وتزامن هجمات جهادية مع تحركات جماعات انفصالية من الطوارق.

 

ديورا.. ضربة جديدة في قلب وسط مالي

تقع ديورا في منطقة موبتي، وهي واحدة من المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية تمددًا لنشاط الجماعات المسلحة، خصوصًا جماعات جهادية مرتبطة بتنظيم القاعدة.

وفي 10 سبتمبر 2026، تعرض المعسكر العسكري لهجوم واسع تبنته الجماعة، التي أعلنت السيطرة على الموقع، فيما أعلن الجيش المالي، تنفيذ عمليات جوية وبرية ضد منفذي الهجوم في محيط ديورا، وقال إنه تمكن من "تحييد" عدد من العناصر المسلحة الذين كانوا يستقلون دراجات نارية ويحاولون الاختباء في مناطق الأحراش جنوب غربي البلدة.

وتختلف التقديرات بشأن الخسائر البشرية. فالمعلومات التي نقلتها وكالة فرانس برس عن مصادر أمنية ومحلية تشير إلى مقتل 50 جنديًا ماليًا وخمسة روس من "فيلق افريقيا" على الأقل، بينما تحدثت مصادر أخرى عن مقتل ما بين 60 و80 جنديًا وأسر نحو 60 آخرين.

وتظل هذه الأرقام، حتى الآن، تقديرات صادرة عن مصادر أمنية ومحلية وليست حصيلة رسمية نهائية من الجيش المالي.

 

من هجمات متفرقة إلى ضغط متزامن

لا يبدو هجوم ديورا منفصلًا عن مسار أوسع شهدته مالي خلال 2026، فوفق تقرير صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول مكتب الأمم المتحدة لغرب أفريقيا ومنطقة الساحل، شنت جماعات جهادية، وبتحالف مع الطوارق منذ أبريل سلسلة هجمات منسقة في عدة مناطق مالية، استهدفت مواقع عسكرية ومدنًا وطرقًا استراتيجية.

وشملت الهجمات مواقع في باماكو وكاتي وكيـدال وجاو وموبتي وسيغافاري، بينما توسعت العمليات لاحقًا باتجاه شمال ووسط البلاد.

وتشير التطورات إلى تغير في طبيعة التهديد الذي تواجهه القوات الحكومية؛ إذ لم تعد الجماعات المسلحة تكتفي بعمليات الكر والفر، وإنما أصبحت قادرة على الضغط على مواقع عسكرية وقوافل ومحاور نقل في أكثر من منطقة.

 

تحالف جهادي ـ طوارقي يزيد الضغط على باماكو

من أبرز التطورات التي شهدها الصراع المالي خلال 2026 تنامي التنسيق بين الجماعات الجهادية و"جبهة تحرير أزواد" التي تضم جماعات انفصالية طوارقية.

وتقول تقارير وتحليلات دولية إن هذا التقارب أوجد ضغطًا مزدوجًا على القوات الحكومية: جماعات جهادية تضرب في وسط البلاد وجنوبها، ومقاتلون طوارق ينشطون بصورة أكبر في الشمال.

وفي يوليو، شهدت منطقة أنيفيس معارك عنيفة بين القوات المالية المدعومة من عناصر "فيلق افريقيا" من جهة، ومقاتلي جبهة تحرير أزواد وحلفائهم من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من جهة أخرى.

وأفادت تقارير بأن القوات المالية استعادت أنيفيس بعد عمليات جوية مكثفة، لكن الهجمات على المواقع العسكرية ومحاولات قطع طرق الإمداد استمرت.
وتكشف هذه التطورات أن السيطرة على المدن لا تعني بالضرورة انتهاء التهديد، إذ تستطيع الجماعات المسلحة العودة إلى محيط المواقع العسكرية وشن هجمات على طرق الإمداد والتعزيزات.

 

يوليو.. كمين أنيفيس سبق ضربة ديورا

وقبل أسابيع من هجوم ديورا، تعرض الجيش المالي لضربة كبيرة أخرى، ففي 18 يوليو، قُتل ما لا يقل عن 50 جنديًا ماليًا في كمين استهدف قافلة مشتركة للقوات المالية وعناصر "فيلق افريقيا" قرب أنيفيس، وفق تقارير صحفية دولية.

وتكتسب الواقعة أهمية في قراءة هجوم ديورا، لأن الحادثين يكشفان تعرض القوات الحكومية وشركائها الروس لهجمات قاتلة في مناطق مختلفة خلال فترة زمنية قصيرة.

وتشير هذه الخسائر المتتالية إلى أن الجماعات المسلحة لا تزال قادرة على استهداف القوات النظامية حتى بعد التحول الكبير في الشراكات الأمنية الخارجية لمالي.

 

روسيا و"فيلق افريقيا" ماذا تغير؟

بعد توتر العلاقات بين مالي وفرنسا وانسحاب القوات الفرنسية، اتجهت باماكو بصورة أكبر نحو موسكو، وأصبحت "فيلق افريقيا" تمثل الوجود العسكري الروسي الرئيسي في البلاد بعد مرحلة مجموعة فاجنر.

لكن دخول القوات الروسية لم يؤدِ إلى إنهاء التمرد المسلح.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن القوات المالية وحلفاءها الروس واجهوا خلال 2026 ضغوطًا متزايدة في الشمال والوسط، وأن الاعتماد على الدعم العسكري الخارجي لم يحل بمفرده مشكلة اتساع رقعة الجماعات المسلحة.

وفي المقابل، فإن تقييم أداء "فيلق افريقيا" يحتاج إلى قدر من الحذر، لأن طبيعة العمليات العسكرية في مالي وصعوبة الوصول إلى مناطق القتال تجعل من الصعب قياس تأثيرها بصورة مستقلة على الأرض.

 

الأزمة ليست عسكرية فقط

الصراع المالي لا يرتبط بالنشاط الجهادي وحده، فمنذ اندلاع الأزمة عام 2012، تداخلت عوامل عدة، بينها التمرد الطوارقي، نشاط الجماعات المرتبطة بالقاعدة وتنظيم "داعش"، الصراعات المحلية، شبكات الجريمة، وضعف حضور الدولة في مناطق واسعة.

ويؤدي هذا التعقيد إلى صعوبة تحقيق حسم عسكري شامل؛ فحتى استعادة مدينة أو قاعدة عسكرية لا تعني بالضرورة القضاء على شبكات المسلحين في المناطق المحيطة.ويعزز ذلك اعتماد الجماعات المسلحة على المناطق الريفية والأحراش وطرق الحركة المحلية، بما يسمح لها بتنفيذ هجمات ثم الانسحاب قبل وصول التعزيزات.

 

الأمم المتحدة: مئات الانتهاكات ضد الأطفال

ولا تقتصر تداعيات الصراع على القوات المتحاربة، ففي تقرير للأمم المتحدة عن الأطفال والنزاعات المسلحة، وثقت المنظمة 859 انتهاكًا جسيمًا بحق 701 طفل في مالي، وشملت الانتهاكات التجنيد والاستخدام في القتال والقتل والتشويه والاختطاف والهجمات على المدارس والمستشفيات.

وأفاد التقرير بأن جماعات جهادية كانت مسئولة عن تجنيد واستخدام عدد كبير من الأطفال، بينما نُسبت انتهاكات أخرى إلى جماعات مسلحة متعددة والقوات المالية وأطراف أخرى.

كما وثقت الأمم المتحدة 57 حادثة استهدفت مدارس ومستشفيات، بينها 40 مدرسة و17 مستشفى.

وتوضح هذه الأرقام أن استمرار العمليات العسكرية لا ينتج فقط خسائر في صفوف القوات، وإنما يوسع أيضًا الكلفة الإنسانية للحرب على السكان المدنيين.

 

ديورا.. ماذا يقول الهجوم الأخير عن مستقبل الصراع؟

يمثل هجوم ديورا اختبارًا جديدًا للاستراتيجية الأمنية التي تبنتها باماكو خلال السنوات الأخيرة.

فالسلطات المالية سعت إلى بناء قدرة عسكرية أكبر، مستفيدة من الدعم الروسي، كما كثفت العمليات الجوية والبرية ضد الجماعات المسلحة.

لكن استمرار الهجمات الكبيرة، بما في ذلك مقتل عشرات الجنود وأفراد من "فيلق افريقيا"، يشير إلى أن التفوق العسكري لا يزال غير كافٍ وحده لفرض استقرار مستدام على مناطق الصراع.

وفي المقابل، لا يعني هجوم ديورا أن الجماعات المسلحة باتت قادرة على السيطرة على الدولة أو إسقاط العاصمة؛ إذ تشير تقييمات الأمم المتحدة إلى أن الجماعات الجهادية لا تملك، في الوقت الراهن، القدرة على اجتياح باماكو، لكنها تستطيع ممارسة ضغط متزايد عبر الهجمات والحصار وقطع الطرق.

وبذلك، تبدو معركة مالي متجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: جيش مدعوم من روسيا يحاول تثبيت سيطرته على دولة واسعة، في مواجهة جماعات جهادية وانفصالية قادرة على استنزاف القوات وتهديد طرق الإمداد والقواعد العسكرية.

وهنا تكمن أهمية ديورا؛ فالخسائر البشرية الكبيرة لا تقيس وحدها حجم الهجوم، وإنما تكشف أيضًا استمرار قدرة الجماعات المسلحة على اختراق المنظومة الأمنية في مالي، رغم سنوات إعادة بناء الجيش وتغيير الشركاء العسكريين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة