يسقط قناع التدين عندما تتحول الكلمة إلى سلاح، ويصبح الخصم السياسي هدفا للسب والإهانة والتجريح، وتتحول المنابر التي يفترض أن تقدم خطابا سياسيا إلى ساحات مفتوحة للنيل من الأشخاص وكرامتهم. هنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الخطاب الإخواني وضوحا: شعارات دينية تتصدر المشهد، بينما تكشف نماذج من الخطاب المنشور عن لغة لا تمت بصلة إلى أبسط قواعد الأدب التي جاء بها الإسلام.
المسألة ليست خلافا حول أسلوب الكلام، ولا مجرد اختلاف سياسي بين طرفين، وإنما اختبار حقيقي لمدى اتساق الخطاب مع القيم التي يزعم أصحابه الدفاع عنها فحين يتحول الاختلاف من مناقشة الأفكار إلى سب الأشخاص، وحين يصبح التجريح بديلا عن الحجة، يصبح السؤال مشروعا: أين ذهب الدين من خطاب من يتحدثون باسمه؟
قاموس الإساءة.. حين تعجز الحجة عن مواجهة الحجة
على منصات محسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية يمكن رصد نماذج من خطاب يعتمد على الألفاظ المهينة والأوصاف الجارحة والسخرية من الخصوم، في محاولة لتحويل النقاش من مضمون المواقف إلى شخص أصحابها.
وهنا تكمن الخطورة: الجمهور لا يتلقى مجرد رأي سياسي، وإنما يتعرض لعملية مستمرة لتطبيع لغة الإهانة، بحيث يصبح السب أمرا عاديا، والتشهير وسيلة مقبولة، وتجريح المختلف معه جزءا من الخطاب السياسي.
لكن السياسة ليست ساحة بلا أخلاق، والاختلاف لا يعني إسقاط كرامة الإنسان، والمعارضة لا تمنح صاحبها حق تحويل المنبر إلى أداة للإهانة.
محمد ناصر.. نموذج يحتاج إلى تفكيك خطابه لا إلى مجاراة أسلوبه
ويبرز اسم الإرهابي الهارب محمد ناصر باعتباره أحد النماذج التي يمكن إخضاع خطابها للرصد والتحليل، من خلال العودة إلى الحلقات الكاملة وتوثيق العبارات التي تتضمن سبا أو إهانة أو تجريحا، ثم وضعها أمام الجمهور دون اجتزاء أو تحريف، وبهذه الطريقة يصبح الخطاب نفسه هو محل التقييم الأخلاقي خاصة إذا كان هذا الشخص ومن يتبعهم اعتادوا المتاجرة بالدين والحديث باسمه فأين الدين في مثل هذه التصرفات والتعبيرات، هل الدين الذي يتحدثون باسمه يأمرهم بالسب والإهانة وتوجيه ألفاظ بذيئة؟ بالطبع لا، ولا يليق لمثل هؤلاء أن يتحدثوا باسم الدين.
«وقولوا للناس حسنا».. آية واحدة تكشف حجم التناقض
في مواجهة هذا القاموس من الشتائم والألفاظ البذيئة التي تميز بها إعلام الإخوان الإرهابية تأتي القاعدة القرآنية واضحة: «وقولوا للناس حسنا».
لا توجد في الآية استثناءات تقول إن حسن القول يسقط عندما يكون الطرف الآخر خصما سياسيا، ولا أن الشتيمة تصبح مباحة عندما تكون موجهة إلى شخص مختلف في الرأي، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، فأين يضع أصحاب هذا الخطاب أنفسهم من هذه القاعدة؟
الخصومة لا تسقط الأخلاق
يمكن للإنسان أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يرفض، بل وأن يهاجم فكرة أو موقفا سياسيا بشدة، لكن هناك فارقا بين قوة النقد وبين بذاءة الخطاب، فقوة الحجة لا تحتاج إلى شتيمة، وكشف الخطأ لا يحتاج إلى إهانة، ومواجهة الخصم لا تحتاج إلى النيل من كرامته، وحين تصبح الشتيمة هي الأبرز في الخطاب، فهذا لا يكشف قوة صاحبه، بل يكشف عجزه عن تقديم الحجة التي يحتاجها الجمهور.
من يدافع عن الدين يبدأ بأخلاق الدين
الأزمة الحقيقية ليست أن هناك شخصا يستخدم ألفاظا سيئة، فهذه مشكلة أخلاقية يمكن رصدها في أي خطاب، وإنما الأزمة الأكبر عندما يقدم صاحب هذا الخطاب نفسه باعتباره مدافعا عن الإسلام.
هنا يصبح التناقض صارخا: كيف يدافع عن دين يأمر بحسن القول، ثم يجعل الإساءة إلى المختلف معه مادة أساسية في خطابه؟ كيف يتحدث عن الأخلاق، ثم يستخدم لغة الطعن والإهانة؟ وكيف يرفع شعار «قال الله وقال الرسول»، بينما يغيب عن خطابه ما قاله الله وما علمه الرسول في ضبط اللسان؟
الدين ليس ستارا للسباب
الإسلام لم يطلب من المسلم أن يكون ضعيفا أمام الخطأ، لكنه علمه كيف يواجه الخطأ دون أن يتحول إلى نسخة من الخطأ الذي يحاربه، لكن ما يفعله إعلام الإخوان ليس معارضة ولا نقد فكل ما هنالك أنهم يحاولون تشويه الدولة المصرية ورموزها بكل الطرق سواء بالشائعات والأكاذيب أو بالسب والألفاظ البذيئة وفي نهاية المطاف يحتمون في الدين الذي طالما تاجروا به ولكن هل البذاءة ليس لها علاقة بالدين أم أنهم يتحدثون باسم الدين لاستغلاله في مواقف بعينها تخدمهم وفي باقي الأمور تنكشف أخلاقهم الحقيقية التى كُشفت أمام الجميع وأن الدين براء منهم ومن أفعالهم وترديد «قال الله» لا يمنح صاحبه رخصة لمخالفة أخلاق الخطاب التي جاء بها القرآن والسنة.
السؤال الأخير.. أين ذهب «حسن القول»؟
يبقى السؤال الذي لا تستطيع الشتائم أن تجيب عنه: كيف يتحول السب إلى خطاب سياسي بينما صاحبه يرفع شعار الدين؟ ومن يرفع راية الإسلام لا يكفيه أن يستشهد بآية أو حديث، بل عليه أن يسأل نفسه قبل أن يسأل غيره: هل لغته تشبه ما يدعو إليه؟ وهل كلماته تعكس أخلاق الدين الذي يقول إنه يدافع عنه؟ فالدين ليس لافتة تعلق فوق المنبر، ولا عبارة تسبق الكلام، الدين أخلاق، ومن لا يلتزم بأخلاقه لا يحق له أن يجعل اسمه ستارا لخطاب يفتقدها.