الدم كان دائما النقطة التي تسقط عندها كل الأقنعة.. فحين تتحول الخصومة السياسية إلى معركة مفتوحة، ويصبح المخالف عدوا، والخصم خائنا، والمتظاهر المختلف هدفا مشروعا، يصبح القتل نتيجة طبيعية لخطاب بدأ بالكراهية وانتهى إلى السلاح، وفي سجل العنف المرتبط بجماعة الإخوان الإرهابية وأنصارها خلال السنوات التي أعقبت 30 يونيو، تتعدد الوقائع التي شهدت سقوط ضحايا، من أحداث الاتحادية إلى اشتباكات سيدي جابر، وصولا إلى استهداف رجال الشرطة والمنشآت الأمنية، في مشاهد حاولت بعض الخطابات تبريرها باعتبارها دفاعا عن الشرعية أو الدين أو الجهاد.
حين تتحول الخصومة السياسية إلى دماء
أحداث قصر الاتحادية في ديسمبر 2012 تقدم واحدة من أبرز الوقائع التي تكشف كيف يمكن أن تنزلق الخصومة السياسية إلى العنف، فقد شهد محيط القصر الرئاسي اشتباكات بين مؤيدي محمد مرسي ومعارضيه، وانتهت الأحداث بمقتل عشرة أشخاص، بينما اتهمت النيابة عددا من قيادات الإخوان في القضية بالتحريض على القتل والتعذيب والاحتجاز، وهي القضية التي عرفت إعلاميا باسم «أحداث الاتحادية».
هنا لا نتحدث عن معركة عسكرية بين جيوش، وإنما عن خصومة سياسية داخل المجتمع نفسه تحولت إلى دماء، وهو ما يكشف خطورة الخطاب الذي يقسم الناس إلى معسكر «مع الدين» ومعسكر «ضد الدين»، ثم يمنح أتباعه شعورا بأن مواجهة الطرف الآخر ليست مجرد خلاف سياسي وإنما معركة وجود.
سيدي جابر.. طفل أو شاب يتحول إلى هدف
ففي 5 يوليو 2013، نشرت الجماعة الإرهابية فيديو يُظهر "محمود رمضان" ومجموعة من رجال الجماعة وهم يرتكبون أبشع الجرائم؛ حيث قاموا بإلقاء شباب مصريين من أعلى أسطح العقارات، وتداول الفيديو على نطاق واسع، وأظهر بعين المجردة كيف تحول أفراد الجماعة إلى "قطاع طرق" يفتخرون باستباحة الدم، وصدر حكم بإعدام محمود حسن رمضان ومحمد الأحمدي لثبوت تورطهما في القتل، وتم تنفيذ حكم الإعدام في رمضان شنقا في 7 مارس 2015.
وأصبحت واقعة إلقاء الصبية من أعلى العقار من أشهر مشاهد العنف التي ارتبطت بأحداث تلك الفترة، لتكشف إلى أي مدى يمكن أن يصل الخطاب حين يفقد الإنسان صفته كإنسان في نظر المحرض، ويتحول إلى مجرد خصم تجوز مواجهته بأي وسيلة.
دماء رجال الشرطة.. عندما يصبح القتل مباح
المشهد لم يتوقف عند الخصوم السياسيين، بل امتد إلى رجال الشرطة، حيث شهدت مناطق عدة هجمات مسلحة على أقسام ومنشآت أمنية خلال موجة العنف التي أعقبت عزل مرسي.
في 14 أغسطس 2013، تحول مركز شرطة كرداسة إلى مسرح لأبشع جرائم جماعة الإخوان الإرهابية، فور انتهاء فض الاعتصامين، حاصر العشرات من عناصر الجماعة المركز لمدة 5 ساعات متواصلة، احتجاجاً على فض الاعتصامين، وفق ما كشفت تحقيقات النيابة لاحقاً.
عندما حاول ضباط وأفراد القسم فض هذا التجمهر، باغتتهم العناصر الإرهابية بإطلاق كثيف للأعيرة النارية، ولم تتوقف عند هذا الحد، بل استخدمت قذائف "آر بي جي" لاقتحام مبنى المركز، ولم يكتفِ المهاجمون بالقتل، بل مارسوا أبشع صور التشويه، وامتهنوا جثث بعض الشهداء.
من الرصاصة إلى الاغتيال.. حين يصبح القتل مشروعا سياسيا
وتبلغ هذه المنظومة ذروتها عندما ينتقل العنف من الاشتباكات العشوائية إلى الاغتيال المنظم، كما حدث في استهداف شخصيات عامة ورجال دولة، ومن أبرز الوقائع اغتيال المستشار هشام بركات، النائب العام، في يونيو 2015 إثر استهداف موكبه بتفجير.
وهنا تصبح الجريمة أكثر وضوحا: لم يعد الهدف إرهاب الشارع فقط، وإنما تصفية شخصية بعينها لأنها تمثل مؤسسة من مؤسسات الدولة.
وبغض النظر عن التبريرات السياسية التي حاولت أطراف مختلفة تقديمها حول تلك المرحلة، فإن تحويل الخصومة السياسية إلى قتل يظل جريمة لا يمكن غسلها بالشعارات، ولا يمكن منحها مشروعية دينية بمجرد وصف منفذها بأنه مجاهد أو شهيد.
القرآن يضع حدا فاصلا أمام تجارة الدم
وسط كل هذه الوقائع، لا يحتاج الأمر إلى اختراع تأويلات دينية معقدة، فالقرآن يضع حرمة النفس في موضع لا يسمح بتحويلها إلى ورقة في الصراع: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا».
فالنفس ليست ملكا للجماعة، ولا يملك المحرض أن يمنحها أو يسحبها، ولا يستطيع القاتل أن يحول جريمته إلى عبادة بمجرد أن يرفع شعارا دينيا.
المشكلة تبدأ بالكلمة قبل أن تنتهي بالرصاصة
القتل لا يبدأ دائما من فوهة بندقية، أحيانا يبدأ من خطاب يقسم المجتمع إلى «نحن» و«هم»، ثم ينزع عن الطرف الآخر صفته الإنسانية، ويضعه في خانة الخيانة أو الكفر أو العمالة أو العداء للدين، وبعد ذلك تصبح الرصاصة أسهل، والسكين أقرب، والعبوة الناسفة أكثر قبولا في عقل من جرى شحنه بأن ضحيته لا تستحق الحياة.
وهنا تكمن أخطر جريمة يرتكبها الخطاب المتطرف: أنه لا يقتل الإنسان جسديا فقط، وإنما يقتل صورته الإنسانية في عيون الآخرين أولا، حتى يصبح سفك دمه قابلا للتبرير.
قال الله.. وقالوا هم
قال الله: «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا»، وقالوا هم: هذا خصم، وهذا خائن، وهذا عدو للدين، وبالتالي يصبح قتله جزءا من المعركة.
لكن الدين لا يعرف هذه المعادلة، فالاختلاف لا يبيح الدم، والخصومة لا تمنح حق القتل، والشعار الديني لا يمحو الجريمة، ومن يجعل قتل الإنسان طريقا إلى نصرة الدين، فقد وضع الجريمة في مواجهة مباشرة مع النص الذي يقدس حرمة النفس.
الأخطر.. حين يتحول التباهي بالجريمة إلى دعوة لمزيد من الدماء
ولا تتوقف خطورة هذا الخطاب عند حدود التحريض على العنف، بل تتجاوزها إلى مشهد أكثر صدمة، حين ظهر بعض قيادات وأبواق الجماعة الإرهابية وهم يتعاملون مع أعمال العنف باعتبارها انتصارات أو أفعالا تستحق الإشادة، مع تبرير ما جرى والسعي إلى شحن أنصارهم لمواصلة المواجهة، فبدلا من إدانة إراقة الدماء والدعوة إلى وقف التصعيد، تحولت بعض المنابر إلى مساحة لتبرير الجريمة وتجميل صورتها وإعادة إنتاج خطاب يدفع نحو مزيد من الصدام، في محاولة لتحويل الضحايا إلى أرقام والقتلى إلى رموز والعنف إلى بطولة.
وهنا تسقط آخر الأقنعة فحين يجري الاحتفاء بالجريمة بدلا من التبرؤ منها، ويُقدم القتل باعتباره فعلا مشروعا أو مدعاة للفخر، يصبح الخطاب نفسه جزءا من المشكلة، لا مجرد تعليق عليها، ويصبح استدعاء مفردات «الجهاد» و«القصاص» غطاء لتسويق العنف، بينما يقول الله تعالى بوضوح: «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».