الصورة في خطاب الدعاية ليست مجرد لقطة عابرة، بل يمكن أن تتحول إلى شاهد مصطنع على واقعة لم تحدث بهذه الصورة، أو إلى أداة لإعادة تشكيل الحقيقة بما يخدم رواية سياسية محددة، وبين القص والتركيب وتغيير التفاصيل وإعادة استخدام صور قديمة خارج سياقها، وصولا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي جعلت إنتاج المحتوى المصطنع أكثر سهولة، تتسع مساحة التلاعب البصري التي تستهدف عين المتلقي قبل عقله، وهو الأمر الذي اعتمدت عليه جماعة الإخوان الإرهابية بشكل كبير في حربها الإعلامية ضد الدولة المصرية وحرب الوعي.
وهنا تحديدا تظهر المفارقة التي تضع هذا الأسلوب أمام اختبار ديني وأخلاقي واضح، فكيف يمكن لمن يطالب الناس بتصديق روايته باسم الدين أن يبني خطابه على صورة جرى التلاعب بها أو معلومة لا أصل لها؟
صورة حقيقية.. لكن القصة كاذبة
أخطر أشكال الفبركة ليس دائما الصورة التي جرى تعديلها بوضوح، وإنما الصورة الحقيقية التي يجري وضعها في سياق كاذب.
لقطة قديمة يعاد نشرها باعتبارها من حدث جديد، أو صورة من واقعة مختلفة تستخدم لإثبات واقعة أخرى، أو مشهد يجري قص أجزاء منه لإخفاء تفاصيل تغير معنى الصورة بالكامل، في هذه الحالة لا يستطيع المتلقي اكتشاف الخداع بمجرد النظر إلى الصورة، لأنها بالفعل صورة حقيقية، لكن الكذبة مختبئة في التاريخ والمكان والسياق.
من القص والتركيب إلى الذكاء الاصطناعي
تطور أدوات صناعة المحتوى جعل عملية التزييف أكثر تعقيدا، فبعد أن كان التلاعب يحتاج إلى برامج متخصصة ومهارات فنية أصبح بالإمكان اليوم تعديل عناصر داخل الصورة، أو تركيب أشخاص وخلفيات، أو تغيير تفاصيل المشهد باستخدام أدوات رقمية متاحة على نطاق واسع.
أما الذكاء الاصطناعي فقد أضاف مستوى جديدا من الخطورة، بعدما أصبح قادرا على إنتاج صور تبدو واقعية رغم أنها لم توثق واقعة حقيقية من الأساس، وبالتالي لم يعد السؤال هل الصورة واضحة؟ وإنما هل الصورة أصلية أصلا؟ فجودة الصورة لا تثبت صحتها، وواقعيتها البصرية لا تعني أنها توثق حدثا وقع بالفعل.
الدليل المصنوع لخدمة الرواية
في الدعاية السياسية، تبدأ العملية أحيانا من النتيجة ثم يجري البحث عن المادة التي تخدمها، رواية جاهزة تحتاج إلى دليل، فتظهر صورة، ثم تنتشر الصورة، ثم يعاد استخدامها في منشورات متعددة، وبعدها تتحول كثرة التداول إلى إيحاء بأن الرواية مؤكدة.
وهو الأمر الذى اعتمدت عليه الجماعة الإرهابية بشكل كبير خاصة مع سهولة الانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعى وسهولة فبركة الصور كان الأمر أداة لهم والأمثلة على ذلك كثيرة فقد رأينا جميعا المشهد التمثيلي الذي قام به القائمين على اللجان الإعلامية للإخوان ووجود قتلى إثر اشتباكات ويظهر فيها بوضوح كيفية تمثيل المشهد بدقة وبعدها يقومون بعملية القص واللصق مع المؤثرات الصوتية ليكون المقطع مؤثر ويبدأ في الإنتشار لخدمة شعار المظلومية لجذب التعاطف.
والتزييف في هذه الحالة حدث في مقاطع الفيديو أما الصور فالأمر أسهل بكثير وهم يعلمون مدى تأثيرها على المتلقى لذلك يهتمون بالأمر وما أسهل أن يتم فبركة صورة سواء لشخص أو حدث مختلق أو مؤسسة لبناء رواية تخدم مخططتهم، وهنا تقع الحيلة فبدلا من أن تقود الحقيقة إلى الرواية، تصبح الرواية هي التي تبحث عن صورة تخدمها.
الفبركة البصرية ليست بريئة
الصورة المفبركة قد تبدو للبعض مجرد كذبة عابرة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تستخدم لتشويه شخص، أو اتهام مؤسسة، أو صناعة حالة غضب، أو إثارة الكراهية، أو دفع الجمهور إلى تبني موقف بناء على واقعة لم تثبت.
فالخطأ في المعلومة يمكن تصحيحه، لكن الصورة التي تتكرر آلاف المرات قد تترك أثرا في الذاكرة حتى بعد ظهور الحقيقة، وهنا تتحول الفبركة من مجرد تلاعب تقني إلى أداة للتأثير في الوعي وتوجيه الانطباعات.
قال الله.. وقالوا هم
قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"، قاعدة واضحة تضع التثبت قبل التصديق، والتحقق قبل النقل، والحقيقة قبل الانحياز، فكيف لمن يتحدث باسم الدين أن يطالب الناس بتصديق صورة مجهولة المصدر؟ وكيف تتحول صورة مصطنعة أو لقطة منتزعة من سياقها إلى دليل لمجرد أنها تخدم الرواية التي يريد أصحابها ترويجها؟ وكيف يحاول من يتحدث باسم الدين تشويه الأشخاص والمؤسسات بالصور المفبركة؟، فالإسلام الذي أمر بالتثبت لا يمنح الصورة حصانة من التدقيق، ولا يجعل كثرة المشاركات دليلا على الصدق.
قال الله: "فتبينوا".. وقالوا هم: "انشروها أولا واسألوا عن حقيقتها لاحقا"، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، من يرفع شعار الدين في مواجهة الآخرين، ثم يبني روايته على التزييف البصري، لا يواجه خصومه بالحقيقة، وإنما يحاول صناعة حقيقة بديلة بالصورة.