لعقود طويلة، ظل "المُحضر" القلم الأهم في دورة العدالة المصرية؛ إنه ذلك الرجل الذي يحمل حقيبته الجلدية المثقلة بالإعلانات القضائية، يجوب الشوارع في الصباح الباكر بحثاً عن عناوين المتقاضين، حاملاً بين يديه مصائر قضايا وحقوق أسر ينتظر أصحابها كلمة الفصل أمام منصة القضاء.
تعتمد طبيعة عمل "المُحضر" على تسليم الإعلانات والإنذارات القضائية باليد إلى المعلَن إليهم، مستنداً إلى خبرته في التعامل مع مختلف طبقات المجتمع، وقدرته على مواجهة التحديات الميدانية من تغيير العناوين أو التهرب من الاستلام، ليشكل حلقة الوصل الحيوية بين أروقة المحكمة والمواطن في أبعد القرى والمدن.
ومع القرار الجديد ببدء تطبيق منظومة الإعلانات القضائية عبر الرسائل النصية القصيرة (SMS) والبريد الإلكتروني تنفيذاً لقانون الإجراءات الجنائية الجديد، يدخل المحاكم عهد جديد ينهي البطء في إعلان أطراف النزاع ويقضي على ظاهرة بطلان الإعلانات.
ورغم التحول الرقمي الكبير وإنشاء مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية بدائرة كل محكمة، يظل دور "المُحضر" محورياً؛ إذ يتحول عمله الميداني إلى مسار بديل وضمانة قانونية حاسمة في حالات تعذر الوصول الرقمي أو غياب الهواتف المسجلة، ليظل "رسول المحكمة" ذاكرة محفورة في تاريخ القضاء الميداني، وشاهداً على رحلة الانتقال من عصر الورقة والقلم إلى أفق العدالة الرقمية.