على مدار عقود، حاولت جماعة الإخوان الإرهابية تقديم نفسها باعتبارها حركة دعوية واجتماعية، قبل أن يكشف مسارها السياسي والتنظيمي عن مشروع يسعى إلى توسيع النفوذ وفرض رؤية الجماعة على الدولة والمجتمع، وصولا إلى صدامات حادة مع مؤسسات الدولة وثوابت المجتمع.
من العمل الدعوي إلى التنظيم السياسي
لم تكتف الجماعة بالنشاط الديني والاجتماعي، وإنما خاضت المجال السياسي بصورة مباشرة، وصولا إلى تأسيس حزب الحرية والعدالة عقب أحداث 2011، ثم تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية في 2012.
وتشير تقارير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن حزب الحرية والعدالة، باعتباره الذراع السياسية للإخوان، حُظر لاحقا، كما صنفت الحكومة المصرية جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي في ديسمبر 2013.
عندما تحولت الخلافات إلى صدام
شكلت أحداث 2013 نقطة فاصلة في علاقة الجماعة بالدولة المصرية، بعدما تصاعدت المواجهات السياسية والشعبية، وتبعها صدام واسع وأعمال عنف استهدفت مؤسسات أمنية ومنشآت عامة، بحسب تقارير أمريكية عن تلك الفترة.
وفي الوقت نفسه، وثقت تقارير دولية وقائع عن انتهاكات وأحداث عنف مرتبطة بتلك المرحلة، بما يؤكد أن المشهد لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، وإنما أزمة عميقة امتدت آثارها إلى الأمن والمجتمع والحياة العامة.
سقوط خطاب المظلومية
ومع تضييق الخناق على التنظيم، اعتمدت الجماعة وأنصارها على خطاب سياسي وإعلامي يركز على المظلومية، بالتوازي مع استمرار الجدل حول علاقات بعض قياداتها وشبكاتها بتنظيمات وحركات مسلحة.
وتكشف الوقائع الموثقة أن التعامل مع ملف الإخوان لم يكن مرتبطا فقط بالنشاط السياسي، إذ تحدثت تقارير رسمية أمريكية عن جماعات مسلحة ظهرت في مصر خلال تلك الفترة، كما صنفت واشنطن تنظيمات مثل «حسم» و«لواء الثورة» كيانات إرهابية، مع الإشارة إلى صلات سابقة لبعض عناصرها أو قياداتها بجماعة الإخوان.
التنظيم يتغير.. والفكرة تبحث عن نافذة جديدة
وتظل إحدى أبرز أدوات التنظيم قدرته على إعادة صياغة خطابه وفقا للبيئة المحيطة، والانتقال من العمل السياسي المباشر إلى مساحات إعلامية وحقوقية ومجتمعية، مع محاولة الحفاظ على شبكة التأثير والقدرة على الحشد.
وهنا يصبح التعامل مع خطاب الجماعة بحاجة إلى قراءة ما وراء الشعارات، وفحص المواقف والممارسات والعلاقات التنظيمية، بدلا من الاكتفاء بالصورة التي تحاول الجماعة تقديمها عن نفسها.
معركة الوعي قبل المواجهة
وتؤكد التجربة أن مواجهة التطرف لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، وإنما تمتد إلى تفكيك الأفكار التي تستخدم الدين لتحقيق أهداف سياسية، مع ضرورة الفصل الواضح بين الإسلام كدين وبين التنظيمات التي توظف الخطاب الديني في الصراع السياسي.
وفي النهاية، فإن مسار جماعة الإخوان الإرهابية منذ صعودها السياسي وحتى خروجها من المشهد الرسمي يكشف تحولا جوهريا من محاولة تقديم نفسها كبديل سياسي إلى تنظيم أصبح محظورا في مصر ومصنفا إرهابيا من جانب الدولة المصرية، بينما لا تزال طبيعة التنظيم وشبكاته وعلاقاته محل نقاش وتحليل في دول أخرى.