هناك أماكن لا تحتاج إلى أن تتحدث كثيرًا عن نفسها.. يكفي أن تقف أمام جدرانها حتى تشعر أن آلاف السنين تفصل بينك وبينها، ثم تكتشف أن هذه المسافة لم تمنع التاريخ من أن يظل حاضرًا.
في جنوب محافظة سوهاج، وتحديدًا في منطقة أبيدوس بمدينة البلينا، تقف «شونة الزبيب» شامخة بين آثار العرابة المدفونة، شاهدة على واحدة من أقدم محاولات المصري القديم لصناعة مكان يخلد فيه ذكرى الملك بعد وفاته.
وهنا تبدأ حكاية المكان.. لماذا «شونة الزبيب»؟
الاسم نفسه يلفت الانتباه، لكن خلفه تاريخ أقدم بكثير من الاسم المتداول اليوم. فالمكان الذي نعرفه باسم «شونة الزبيب» هو أحد أهم المنشآت الأثرية في أبيدوس، ويرجع بناؤه إلى عصر الأسرة الثانية، نحو عام 2700 قبل الميلاد، في عهد الملك خع سخموي، آخر ملوك الأسرة الثانية.
لم تكن الفكرة مجرد بناء جدران ضخمة، وإنما كانت محاولة مبكرة لصياغة علاقة بين الملك والحياة الأخرى، فالمكان ارتبط بالطقوس الجنائزية وتخليد ذكرى الملك، ليصبح واحدًا من النماذج المبكرة التي مهدت لفكرة المجمعات والمعابد الجنائزية التي عرفتها مصر القديمة فيما بعد.
جدران من الطوب.. وحكاية عمرها آلاف السنين
وأنت تقترب من «شونة الزبيب»، أول ما يلفت انتباهك تلك الجدران الطينية الضخمة التي لا تزال صامدة رغم مرور أكثر من أربعة آلاف عام.
ويصل طول الجدار الخارجي للمبنى إلى نحو 137 مترًا، بينما يبلغ عرضه نحو 77 مترًا، ويصل ارتفاعه إلى نحو 12 مترًا، ليعطي الزائر تصورًا عن حجم المشروع الذي أقامه المصري القديم في وقت مبكر للغاية من تاريخ الحضارة المصرية.
واللافت أن هذه الجدران لم تُبنَ بطريقة عشوائية، وإنما صُممت بتفاصيل معمارية تحاكي واجهة القصر الملكي، في إشارة إلى استمرار مكانة الملك وهيبته حتى بعد الموت.
أما المداخل، فكانت ضخمة ومصممة لتغلق بأبواب حجرية، وهو ما يكشف عن دقة التصميم وقوة المنشأة التي أراد المصري القديم أن تبقى حاضرة عبر الزمن.
مكان يفتح أبواب الأسئلة
ورغم ضخامة «شونة الزبيب»، فإن المكان لا يقدم للباحث كل أسراره بسهولة. فداخل الساحة الواسعة لم تظهر مبانٍ ضخمة بالشكل الذي قد يتوقعه الزائر، كما لم يُعثر على مقبرة ملكية داخل المنشأة نفسها، وهو ما جعل الموقع مجالًا مهمًا لدراسة تطور العمارة والطقوس الجنائزية في مصر القديمة.
وفي عام 1988، كشف عالم المصريات ديفيد أوكونور عن عنصر معماري غامض داخل الموقع، عبارة عن مربع من الطوب اللبن، أثار تساؤلات حول وظيفته ودوره داخل المنشأة. وكأن «شونة الزبيب» لا تحكي التاريخ فقط، وإنما تترك للباحثين أيضًا أسئلة مفتوحة تبحث عن إجابات.
من هنا بدأت حكاية الخلود
ربما تكمن أهمية «شونة الزبيب» الحقيقية في أنها لا تمثل مجرد مبنى أثري قديم، وإنما تحكي جانبًا من رحلة المصري القديم في البحث عن الخلود. ففي أبيدوس، إحدى أهم مدن مصر القديمة، بدأ الإنسان المصري يطوّر أفكاره حول الموت والحياة الأخرى، وكيف يمكن أن تبقى ذكرى الملك حاضرة بعد رحيله.
ولهذا، فإن الوقوف أمام جدران «شونة الزبيب» ليس مجرد زيارة لأثر قديم، وإنما رحلة إلى لحظة مبكرة من تاريخ الحضارة المصرية، عندما كان المصري القديم يضع اللبنات الأولى لفكرة المنشآت الجنائزية التي تطورت بعد ذلك عبر العصور.
طبقات من التاريخ فوق بعضها
ولم تتوقف حكاية المكان عند العصر الفرعوني، فبالقرب من الركن الجنوبي الشرقي للموقع ظهرت بقايا كنيسة صغيرة شُيدت في فترة لاحقة، لتكشف أن المكان ظل حاضرًا في ذاكرة المنطقة، وأن تاريخ أبيدوس لم يكن صفحة واحدة، وإنما طبقات متتالية تركت كل منها بصمتها. وهكذا، تقف «شونة الزبيب» اليوم كأنها كتاب مفتوح، كل جدار فيه يحكي فصلًا، وكل طوبة تحمل جزءًا من قصة بدأت قبل آلاف السنين.
«حكاية مكان».. لكن الحكاية أكبر من المكان
«شونة الزبيب» ليست مجرد جدران من الطوب اللبن، ولا مجرد أثر يقف في صحراء أبيدوس منذ آلاف السنين. إنها حكاية المصري القديم عندما بدأ يبحث عن وسيلة تجعل اسمه وذكراه يستمران بعد الموت.
وحين تقف أمام جدرانها اليوم، قد تشعر أن المسافة بينك وبين الملك «خع سخموي» ليست آلاف السنين كما تبدو على الورق، لأن المكان نفسه ما زال موجودًا، والجدران التي بناها أجداد المصريين ما زالت تروي حكايتهم.
ففي سوهاج، كل حجر له حكاية، وكل أثر يحمل رسالة من الماضي، وكل خطوة في أرض أبيدوس تقودك إلى فصل جديد من قصة الحضارة المصرية.

جانب من الشونة
.jpg)
شونة الزبيب بأبيدوس سوهاج
.webp)
شونة الزبيب بأبيدوس سوهاج
.webp)
شونة الزبيب بأبيدوس سوهاج
.webp)
شونة الزبيب بأبيدوس سوهاج

من أقدم المبانى المشيدة فى العالم

منظر عام للشونة