على الرغم من أن أمريكا اللاتينية تفصلها آلاف الكيلومترات عن ساحات القتال بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إلا أن تداعيات هذا الصراع وصلت إلى المنطقة بسرعة لم تتوقعها الحكومات. فبعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع المواجهات في فبراير 2026، لم يعد السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الحرب ستؤثر على المنطقة، بل عن حجم الثمن الذي سيدفعه 650 مليون لاتيني جراء صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
قناة الطاقة: من يستفيد ومن يدفع الثمن؟
تكشف بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (CEPAL أن متوسط سعر النفط في 2026 أصبح أعلى بنسبة 20% إلى 25% عن مستويات 2025. وفي أبريل، بلغ متوسط سعر خام برنت 120 دولاراً للبرميل، أي بزيادة تقارب 70% عن مستويات ما قبل الحرب.
يخلق هذا الارتفاع انقساماً حاداً بين دول المنطقة، المصدرون الصافيون للنفط والغاز - مثل فنزويلا وكولومبيا والبرازيل والإكوادور وغيانا وترينيداد وتوباجو - يحققون مكاسب مالية فورية من عائدات التصدير الأعلى. لكن هذه المكاسب تظل محدودة، إذ تشير تقديرات CEPAL إلى أن تحسّن الميزان التجاري الإقليمي ككل لن يتجاوز 0.05 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. في المقابل، تدفع الغالبية العظمى من الدول، وهي مستوردة صافية للطاقة، فاتورة باهظة. وتتوقع الوكالة الأممية أن يتدهور الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا الوسطى وهايتي وجمهورية الدومينيكان بنحو 0.9 نقطة مئوية، بينما تخسر دول الكاريبي غير المصدرة للنفط حوالي 0.5 نقطة.
ما بعد النفط: أزمة الأسمدة والغذاء
لا يقتصر التأثير على فاتورة الوقود. فمنطقة الخليج، التي تشهد التوترات، تنتج حوالي 34% من صادرات اليوريا العالمية و20% من الأسمدة الأساسية الأخرى. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 44%، بينما قفزت أسعار اليوريا وحدها بنسبة 82%. وبالنسبة لدول تعتمد بشكل كبير على الاستيراد - مثل كولومبيا التي تستورد نحو ثلاثة أرباع احتياجاتها من الأسمدة - فإن هذا يعني زيادة مباشرة في تكاليف الإنتاج الزراعي، وهو ما سيترجم خلال أشهر إلى ارتفاع أسعار الغذاء على أرفف المتاجر.
وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تظهر في دول بعينها، في الأرجنتين، ارتفعت أسعار الوقود بأكثر من 20% منذ بدء الحرب، واضطرت السلطات إلى تقليص خدمات الحافلات العامة في أبريل بسبب تكاليف الديزل. وفي المكسيك، حذّر منتجو التورتيا، وهو غذاء أساسي على كل مائدة، من اضطرارهم لرفع الأسعار. أما في كوستاريكا، فيقول مساعد تمريض إن أكبر قلقه هو زيادة المصاريف اليومية، لأنه عندما يرتفع الوقود يرتفع كل شيء.
اختبار جديد للبنوك المركزية
يضيف ارتفاع الأسعار ضغطاً غير مسبوق على السياسة النقدية في المنطقة. فبعد سنوات من التشديد لكبح التضخم، كان من المتوقع أن تبدأ البنوك المركزية في خفض الفائدة تدريجياً خلال 2026. لكن موجة التضخم المستورد هذه قد تؤجل هذه الخطوة، مما يعني بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول، وتقليص قدرة الشركات على الاستثمار والأسر على الاستهلاك. وإذا استمرت أسعار الفائدة مرتفعة في الاقتصادات المتقدمة، فستزداد كلفة التمويل الخارجي على دول المنطقة، التي تعتمد جزئياً على الأسواق الدولية.
صوت غائب في العاصفة
في خضم هذه الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، يبرز غياب شبه تام لأي صوت سياسي إقليمي موحّد. فباستثناء بيانات متفرقة من المكسيك وكولومبيا والبرازيل ترفض التصعيد العسكري دون مواجهة مباشرة مع واشنطن، لا يوجد تحرك دبلوماسي ملموس.
وتحلل الخبراء الأسباب، مشيرة إلى أن المنطقة تفتقر إلى قيادة إقليمية قادرة على توحيد المواقف. ويقول بنيامين جيدان من مركز ستيمسون إن "الخوف من انتقام البيت الأبيض" يدفع دولاً عديدة إلى تجنّب إثارة غضب واشنطن، حتى لو تعارض ذلك مع مصالحها الاقتصادية.
ويشير كارلوس موريلو، الخبير في العلاقات الدولية، إلى أن "لا يوجد زعيم لاتيني الآن يمكن للمرء أن يقول إنه سيتولى هذا الدور ويواجه الولايات المتحدة كما حدث في عصور أخرى"، ويضرب مثلاً بأمريكا الوسطى التي "لا يوجد فيها قيادة إقليمية" إذ “توجد في لحظة ما كوستاريكا، وفي أخرى غواتيمالا، لكنها اليوم مجزأة تماماً”.
في المقابل، سارع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى الانحياز صراحة للولايات المتحدة وإسرائيل، حتى أنه أعلن الحرس الثوري الإيراني "منظمة إرهابية، وتجدر الإشارة إلى أن بعض حكومات يمين الوسط في المنطقة، مثل الإكوادور وتشيلي، تميل بدورها إلى تفضيل مقاربة أمنية للتعامل مع التداعيات، مع التركيز على "مكافحة الإرهاب " بدلاً من معالجة الأسباب الاقتصادية للصراع.
ما بعد الحرب: فرصة ضائعة؟
مع استمرار الغموض حول مسار الحرب، يبرز سؤال آخر: هل يمكن أن تشكّل هذه الأزمة فرصة لدفع التحول الطاقي في أمريكا اللاتينية؟ تنتج المنطقة بالفعل أكثر من 64% من كهربائها من مصادر متجددة، وهي نسبة تتجاوز بكثير المتوسط العالمي. لكن خبراء مثل مانويل بوحار-فيدال من الصندوق العالمي للطبيعة (WWF) يحذرون من أن "ارتفاع أسعار النفط والغاز يدفع بعض الدول إلى التركيز على أمن الإمدادات من الوقود الأحفوري بدلاً من الاستثمار في البدائل النظيفة.
وفي حين يعتقد أندريس ريبوليدو، الأمين التنفيذي لمنظمة الطاقة لأمريكا اللاتينية والكاريبي (OLACDE)، أن الأزمة يمكن أن تتحول إلى محفّز قوي للتحول الطاقي” إذا استُثمرت في الطاقة المتجددة، يرى دانيال يرجين، من S&P Global، أن المنطقة أمام فرصة تاريخية لتصبح فاعلاً رئيسياً في سوق الطاقة العالمي مع تحوّل مركز الثقل النفطي نحو البرازيل وجيانا والأرجنتين، لكن هذا السيناريو مشروط بقدرة الحكومات على تقديم استثمارات مستدامة واستقرار وقواعد واضحة.
في المحصلة، تبدو أمريكا اللاتينية عالقة بين مطرقة تضخم مستورد من حرب لا تخوضها، وسندان انقسام سياسي يمنعها من رفع صوتها. وبينما تتكبد الأسر فاتورة الغلاء، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستتعلم المنطقة من هذه الأزمة، أم أنها ستبقى الفناء الخلفي الذي يدفع ثمن صراعات الآخرين دون أن يُسمع صوته؟.