لم تكن جماعة الإخوان الإرهابية في تاريخها مجرد تيار سياسي اختلف مع الحكومات أو نافس على مقاعد البرلمان، وإنما قدمت نفسها منذ تأسيسها عام 1928 كمشروع شامل لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها، وبنت إلى جانب نشاطها الدعوي والسياسي هيكلاً تنظيمياً مغلقاً يقوم على الولاء والتدرج والسرية، ومع تأسيس «النظام الخاص» في أربعينيات القرن الماضي، انتقلت الجماعة إلى مرحلة أكثر خطورة، إذ أصبح لديها ذراع شبه عسكرية ارتبطت بوقائع عنف واغتيالات هزت الدولة المصرية.
هنا بدأت تتكشف معادلة الإخوان الحقيقية: التنظيم قبل الدولة، والولاء للجماعة قبل الانتماء الوطني، وامتلاك المجتمع قبل الاكتفاء بالمنافسة السياسية داخله.
«النظام الخاص».. البداية التي كشفت الوجه المسلح للتنظيم
لم يكن إنشاء «النظام الخاص» مجرد تفصيل في تاريخ الجماعة، فالدراسات التاريخية تصفه باعتباره جهازاً شبه عسكرياً سرياً، أدى ظهوره إلى خلق كوادر ذات عقلية مؤامراتية وسرية، وارتبط بعدد من أكثر وقائع العنف السياسي دموية في أربعينيات القرن الماضي.
وفي ديسمبر 1948 اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي على يد عبد المجيد حسن، أحد أعضاء التنظيم. وقبلها بأشهر، كان المستشار أحمد الخازندار قد اغتيل في مارس من العام نفسه، في واقعة ارتبطت بأعضاء من التنظيم الخاص وفق المصادر التاريخية.
لم يكن المستهدف في الحالتين مجرد شخص؛ فقد كان أحدهما رئيساً للحكومة والآخر قاضياً يؤدي وظيفته. وهكذا تحولت مؤسسات الدولة ورموزها إلى أهداف عندما تعارضت مع مشروع الجماعة.
من السيطرة على الإنسان إلى محاولة السيطرة على المجتمع
قوة الإخوان لم تكن في أدوات العنف وحدها، وإنما في قدرتهم على بناء شبكة اجتماعية وتنظيمية واسعة. فالتنظيم اعتمد على التجنيد والتنشئة وإدخال العضو تدريجياً في دوائر الجماعة، بما يعزز الالتزام والانضباط والولاء الداخلي، وتوضح دراسات أكاديمية أن عملية إعداد العضو شملت تربية تنظيمية وسلوكية ودينية داخل خلايا تتسم بالسرية، خاصة في فترات الصدام مع الدولة.
وهنا تكمن خطورة المشروع: فبدلاً من أن يكون الدين شأناً روحياً ومجالاً للقيم العامة، يصبح في خطاب التنظيم أداة لإعادة ترتيب المجتمع سياسياً، بحيث يبدو المختلف مع الجماعة وكأنه مختلف مع الدين نفسه.
1954.. عندما اصطدم التنظيم برأس الدولة
في أكتوبر 1954 وقعت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في الإسكندرية، وتربط الدراسات التاريخية العملية بأعضاء من «النظام الخاص» داخل الإخوان، وأدت الواقعة إلى حملة واسعة على الجماعة واعتقالات ومحاكمات، لتدخل العلاقة بين التنظيم والدولة واحدة من أكثر مراحلها دموية.
ولم تتوقف تداعيات تلك المرحلة عند حدود الصدام الأمني؛ إذ شهدت السجون والمعتقلات الإخوانية نقاشات فكرية ساهمت في تطور خطاب أكثر راديكالية، وكان سيد قطب أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذا التحول، فيما أصبحت بعض أفكاره لاحقاً مرجعاً لتيارات إسلامية متشددة.
عام الحكم.. التنظيم داخل الدولة
بعد ثورة يناير 2011، حصل الإخوان على فرصة تاريخية للوصول إلى السلطة، ووصل محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية عام 2012، لكن تجربة الحكم لم تنهِ سؤال العلاقة بين التنظيم والدولة، بل وضعته في قلب المشهد، فالمشكلة لم تكن فقط في قرارات سياسية بعينها، وإنما في القلق الذي أثارته محاولة جماعة ذات بنية تنظيمية خاصة إدارة دولة بكل مؤسساتها.
وفي نوفمبر 2012، فجّر الإعلان الدستوري الذي حصّن قرارات الرئيس من الرقابة القضائية مواجهة حادة مع القضاء والقوى السياسية، لتتسع الفجوة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسات الدولة الأخرى، وهنا ظهر التناقض الأكبر الجماعة التي كانت تطالب طوال عقود بالمشاركة في الدولة وجدت نفسها، عند وصولها إلى السلطة، أمام اختبار أصعب: هل تستطيع الفصل بين التنظيم والحكم؟
30 يونيو.. سقوط المشروع وبدء مرحلة الاستهداف
مع خروج الملايين في احتجاجات 30 يونيو 2013 وعزل محمد مرسي في يوليو، انتقل الإخوان إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة، وشهدت مصر بعدها موجة عنف واسعة استهدفت منشآت أمنية ومؤسسات عامة، فيما ارتكبت قوات الأمن بدورها انتهاكات جسيمة وثقتها منظمات حقوقية دولية.
لكن السنوات التالية شهدت أيضاً استهدافاً مباشراً لرموز الدولة، وصولاً إلى اغتيال النائب العام هشام بركات عام 2015 فضلاً عن موجة عمليات إرهابية ضد الجيش والشرطة والمنشآت الحيوية.
الوطن في مواجهة «الجماعة»
في مواجهة هذا المشروع، لا تكون المعركة الحقيقية بين الدولة والدين، وإنما بين الدولة الوطنية والتنظيم المغلق الذي حاول احتكار الحديث باسم الدين والوطن معاً، فالوطن لا يحتاج إلى جماعة وسيطة بين المواطن والدولة، ولا يحتاج المواطن إلى تنظيم كي يمارس دينه أو يثبت وطنيته، الدولة تبني مؤسساتها بالقانون، بينما التنظيم المغلق يبني نفوذه بالولاء والطاعة.
ولهذا فإن مواجهة الإخوان لا تتوقف عند إسقاط تنظيم أو تفكيك خلاياه، وإنما تمتد إلى تفكيك الأفكار التي حاولت تحويل الانتماء الديني إلى انتماء سياسي، وتحويل الاختلاف إلى خصومة، وتحويل الدولة إلى عدو، فأخطر ما تركته تجربة الإخوان ليس فقط ما وقع من عنف، وإنما محاولة إعادة تعريف الوطن نفسه: هل يكون الوطن مساحة مشتركة لكل المصريين، أم ساحة نفوذ لتنظيم يرى نفسه صاحب الحق في توجيه المجتمع وصياغة مستقبله؟ هنا تحديداً تبدأ معركة الوعي، وهنا أيضاً تتحدد قيمة العقيدة الوطنية في مواجهة الفكر الظلامي.