في قرى مركز شربين بمحافظة الدقهلية، لم تكن معاناة الأهالي قبل مبادرة «حياة كريمة» مرتبطة بمشكلة واحدة، بل بمجموعة من الاحتياجات اليومية التي تمس حياة المواطن من منزله إلى مدرسته، ومن الوحدة الصحية إلى الحقول والطرق. ومع وصول المبادرة الرئاسية، بدأت ملامح الريف تتغير من خلال مشروعات استهدفت البنية الأساسية والخدمات العامة وتحسين مستوى المعيشة.
لكن السؤال الذي يفتح بابًا للتأمل: لو لم تنفذ الدولة مبادرة «حياة كريمة» في قرى شربين، كيف كان يمكن أن تبدو الحياة اليوم؟
الإجابة ليست مجرد افتراض عن قرى تفتقد التطوير، بل قراءة في حجم المشروعات التي استهدفت 26 قرية و278 عزبة وتابعًا، بخدمات امتدت إلى نحو 500 ألف نسمة
قرى تنتظر الخدمات.. ماذا لو تأخر التطوير؟
قبل المبادرة، كانت احتياجات القرى في قطاعات المياه والصرف الصحي والطرق والكهرباء تمثل تحديات تنموية تحتاج إلى تدخل واسع. ومع تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، أصبح من الممكن تصور الفارق بين قرية تنتظر تحسين خدماتها وقرية تمتد إليها مشروعات متكاملة.
فلو لم تنفذ «حياة كريمة» مشروعات المياه والصرف الصحي، لكان من المحتمل أن تستمر بعض القرى في مواجهة ضغوط توفير خدمات الصرف الآمن ومياه الشرب، وأن تتأخر معالجة مشكلات البنية الأساسية التي تؤثر بصورة مباشرة في الصحة العامة والبيئة وجودة الحياة.
وتضمنت مشروعات المبادرة في شربين محطات معالجة ورفع وشبكات صرف صحي ومياه شرب، إلى جانب خطوط مياه ووصلات منزلية، بما يعكس اتساع نطاق الاحتياجات التي استهدفتها خطة التطوير.
الكهرباء والطرق.. يوم أكثر صعوبة دون التطوير
في الريف، لا تتوقف جودة الحياة عند توافر المسكن، وإنما ترتبط أيضًا بانتظام الكهرباء وسهولة الانتقال بين القرى والمدن والوصول إلى المدارس والوحدات الصحية والأسواق.
ولو لم تنفذ المبادرة مشروعات تطوير شبكات الكهرباء والطرق، لكان من الممكن أن تستمر بعض التحديات المرتبطة بالبنية الأساسية، وأن تظل حركة المواطنين والبضائع أكثر تأثرًا بحالة الطرق والخدمات المتاحة.
وشملت مشروعات «حياة كريمة» في قرى شربين تطوير شبكات الكهرباء، وتنفيذ مشروعات للطرق الداخلية والرئيسية، إلى جانب أعمال أخرى مرتبطة بالبنية التحتية.
مدرسة قريبة ووحدة صحية.. خدمات تغير تفاصيل الحياة
تخيل أسرة ريفية تحتاج إلى متابعة صحية أو خدمة تعليمية لأبنائها، ثم تضطر إلى الاعتماد على خدمات محدودة أو الانتقال لمسافات أطول للحصول على احتياجاتها. هذا التصور يوضح أهمية توزيع الخدمات داخل القرى، وليس فقط إنشاء مشروعات كبرى في المدن.
ولو لم تتضمن المبادرة تطوير المدارس والوحدات الصحية، لكان من المحتمل أن تتأخر فرص تحسين البيئة التعليمية والصحية في القرى المستهدفة، وأن تستمر بعض الأسر في تحمل أعباء الوصول إلى الخدمات خارج نطاقها الجغرافي.
وقد شملت مشروعات المبادرة إنشاء وتطوير مدارس، ورفع كفاءة وحدات صحية، وإنشاء وحدات إسعاف، ضمن خطة تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في قرى شربين.
الفلاح في مواجهة تحديات الخدمات الزراعية
لا تقتصر التنمية الريفية على المنازل والطرق، فالفلاح يحتاج إلى خدمات زراعية وبيطرية وإرشاد يساعده في التعامل مع احتياجات الإنتاج الزراعي.
وفي غياب المجمعات الزراعية والبيطرية التي نفذتها المبادرة، كان من الممكن أن تظل بعض الخدمات الزراعية موزعة على جهات ومواقع متعددة، بما يزيد الوقت والجهد المطلوبين لإنجاز المعاملات والحصول على الخدمات المتخصصة.
وشملت خطة «حياة كريمة» إنشاء 8 مجمعات زراعية وبيطرية متكاملة في قرى مركز شربين، لتقديم الخدمات التي يحتاج إليها المزارعون.
الشباب.. ماذا لو لم تتطور مراكز الشباب؟
في القرى، تمثل مراكز الشباب مساحة مهمة لممارسة الرياضة والأنشطة الثقافية والاجتماعية. ومن دون تطوير هذه المنشآت، كان من الممكن أن تظل فرص ممارسة الأنشطة المنظمة أقل من الطموحات التي يتطلع إليها أبناء الريف.
ولهذا استهدفت المبادرة إنشاء وتطوير 24 مركز شباب بقرى شربين، بما يدعم توفير مساحات أفضل للأنشطة الرياضية والثقافية، ويفتح أمام الشباب فرصًا أوسع للمشاركة المجتمعية.
الخدمات الحكومية.. من رحلة البحث إلى مكان واحد
قبل إنشاء مجمعات الخدمات الحكومية، كان المواطن يحتاج إلى معرفة الجهة المختصة بكل معاملة، وقد يضطر إلى التنقل بين مواقع مختلفة لإنجاز احتياجاته. ومع إنشاء المجمعات الحكومية المتكاملة، أصبح الهدف هو تجميع خدمات متعددة في مكان واحد داخل القرية.
ولو لم تنفذ المبادرة هذه المجمعات، لكان من الممكن أن تستمر مشقة التنقل لإنجاز بعض المعاملات، خصوصًا لكبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة والأسر التي تتحمل تكلفة الانتقال إلى المدن.
وتضمنت المبادرة إنشاء 8 مجمعات للخدمات الحكومية المتكاملة في قرى من بينها كفر الترعة القديم، والحصص، وأبو جلال، وبساط كريم الدين، وكفر الحاج شربيني، وكفر الأطرش، ورأس الخليج، وكفر الوكالة.
فرص العمل.. التنمية التي تتجاوز المباني
القرية لا تحتاج فقط إلى خدمات أفضل، بل تحتاج أيضًا إلى فرص اقتصادية تساعد أبناءها على العمل وتحسين دخول أسرهم. ومن هنا جاءت أهمية مشروعات الصناعات الصغيرة والمتوسطة والتدريب والتمكين الاقتصادي.
وفي حال غياب هذه المشروعات، كان من الممكن أن تظل فرص العمل المحلية محدودة في بعض المناطق، وأن يستمر اعتماد عدد من الشباب على البحث عن فرص خارج قراهم.
وأشارت بيانات منشورة إلى تنفيذ جهاز تنمية المشروعات بالدقهلية 1600 مشروع ضمن محاور «حياة كريمة» في قرى شربين، مع توفير نحو 3700 فرصة عمل، بما يعكس الجانب الاقتصادي للمبادرة إلى جانب تطوير الخدمات.
حياة كريمة.. ماذا كان سيبقى دونها؟
لو لم تصل المبادرة إلى قرى شربين، فمن المرجح أن تستمر فجوات تنموية في بعض القطاعات، وأن تتأخر فرص تحسين عدد من الخدمات التي أصبحت ضمن خطة متكاملة لتطوير الريف. لكن من المهم التأكيد أن هذا تصور افتراضي؛ فلا يمكن الجزم بأن كل مشكلة كانت ستستمر بالمستوى نفسه، إذ كان من الممكن تنفيذ مشروعات أخرى تدريجيًا من خلال خطط الدولة والجهات المحلية.
ومع ذلك، فإن حجم التدخل الذي شهدته قرى شربين يوضح أن «حياة كريمة» لم تكن مشروعًا منفردًا، بل خطة تنمية متكاملة جمعت بين البنية الأساسية والخدمات العامة والتمكين الاقتصادي.
في النهاية، فإن السؤال «ماذا لو لم تنفذ حياة كريمة؟» لا يستهدف رسم صورة قاتمة للقرى، وإنما يسلط الضوء على قيمة الاستثمار في الإنسان والمكان. فكل طريق تم تطويره، وكل مدرسة أو وحدة صحية جرى إنشاؤها أو رفع كفاءتها، وكل مجمع خدمي أقيم داخل القرية، يمثل خطوة نحو تقليل الفجوة بين الريف والمدينة. ومن هنا، فإن تجربة قرى شربين تقدم نموذجًا يمكن من خلاله قياس أثر التنمية ليس بعدد المباني والمشروعات فقط، وإنما بمدى انعكاسها على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، وعلى قدرته في الحصول على الخدمة والعمل والتعليم والرعاية الصحية بالقرب من منزله.

118514

118515

118516

118517

118518

118519

118520

118521

118522

118523

118524

118525

118526

118527

118528

118529

118530

118531