أحييت وزارة الأوقاف "اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب"، الذى يوافق اليوم 16 سبتمبر، وتسألت الأوقاف كيف يلتقي استخلاف الإنسان في الأرض في الشريعة الإسلامية مع اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا؟
العلم والتكنولوجيا والابتكار مفتاح التنمية في أفريقيا
لا شك بان العلوم والتكنولوجيا والابتكار تكتسب اليوم أهمية متزايدة في جميع مجالات الحياة البشرية، حيث تغتنم بعض الدول النامية الفرصة لتتجاوز مراحل التنمية، وتحقيق التقدم السريع في العلوم والتكنولوجيا.
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار (٢٥٩/٧٨ A/RESفي ٩ يناير ٢٠٢٤م)، الذي أعلن رسميًّا يوم ١٦ سبتمبر يومًا دوليًا للعلوم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب، ويؤكد القرار أهمية الاستفادة من الإنجازات العلمية والتكنولوجية لتحقيق التنمية المستدامة، بما يتماشى مع خطة عام ٢٠٣٠م، وأهداف التنمية المستدامة.
ويدعو القرار أيضًا جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وأعضاء الوكالات المتخصصة والمراقبين في الجمعية العامة -فضلًا عن مؤسسات منظومة الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى، والأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، وأصحاب المصلحة الآخرين ذوي الصلة- إلى الاحتفال باليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب، بطريقة مناسبة؛ من خلال تقديم مبادرات، بما في ذلك مشاريع التعاون في مجالات العلم والتكنولوجيا والابتكار، التي تسهم في تنمية البلدان النامية [اليوم الدولي للعلوم والتكنولوجيا والابتكار في الجنوب -الأمم المتحدة].
العلوم والتكنولوجيا من منظور استخلاف الأرض وتمكين الشعوب
الشريعة الإسلامية الغراء قد عظمت شأن العلم والتفكر، وجعلت استثمار المعرفة لبناء الإنسان وعمران الكون من المقاصد الكبرى التي اجتمعت الشرائع على رعايتها، وفي هذا السياق المضيء، تحل علينا ذكرى اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب، الذي يوافق السادس عشر من سبتمبر من كل عام؛ ليكون محطة عالمية تتوافق تمامًا مع أسس العمران والتنمية التي أرساها ديننا الحنيف منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان.
لقد أرسى القرآن الكريم أعظم دستور للحث على النظر والابتكار والبحث العلمي، حيث يقول الحق -سبحانه وتعالى: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: ١٠١]، يرشد الله تعالى عباده إلى التفكر في آلائه، وإلى ما خلقه في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السماوات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر والليل والنهار واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا مسخر مذلل للسالكين، يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير القدير، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وإن من أعظم صور النظر في زماننا هذا امتلاك أدوات العلوم الحديثة والتكنولوجيا والابتكار، وحماية الشعوب من التخلف الحضاري والتبعية الاقتصادية، وقد وجهنا سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى التزود بكل ما ينفع البشرية ويعينها على شؤون حياتها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا ينْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ» [مسلم: ٢٦٦٤].
ولضمان سلامة المسار العلمي في مسيرة النهضة التكنولوجية، حرَّم الإسلام استخدام العلم في التدمير والإضرار بالخلق، وشرع الضوابط الأخلاقية التي تجعل التقدم التقني خادمًا للإنسانية، لا أداة للهيمنة والسيطرة، ويتجلى جمال التشريع الإسلامي في إرساء قواعد التكامل المعرفي، وسد احتياجات المجتمعات، وهي ركيزة أساسية في أهداف يوم ١٦ سبتمبر؛ لتشجيع الابتكار في بلدان الجنوب، إعمالًا للقاعدة الفقهية والنبوية الكبرى، فيما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، ليكون العلم أداة لرفع الضرر عن الفقراء والبلدان النامية ورعايتهم.
الابتكار والتضامن المعرفي بين دول الجنوب
ولا تقتصر أهداف التقدم التقني على الجانب المادي الشكلي، بل تمتد لتشمل الجانب الأخلاقي والإنساني، فنقل المعرفة ودعم الابتكار في المجتمعات النامية عبادة وقربة، فقد ورد عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» [البخاري: ٤٨١].
إن توافق الجهود الدولية في السادس عشر من سبتمبر مع تعاليم ديننا الحنيف، يؤكد أن التكنولوجيا رسالة إنسانية تسعى لخدمة العباد، فما أحوجنا اليوم إلى استلهام هذه النصوص الشريفة؛ لتكون واقعًا ملموسًا في مراكزنا البحثية ومؤسساتنا التعليمية، حيث يصبح كل عالم ومبتكر رحمة تنفع الناس، مصداقًا للحديث النبوي عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».
تتكامل أهداف اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا مع مقاصد الشريعة الإسلامية في عمارة الأرض، ليكون الابتكار والتضامن المعرفي درعاً لحماية أفريقيا وتحقيق نهضتها.