تحل اليوم الذكرى الـ 20 لرحيل الفنان الكبير فؤاد المهندس، أحد أبرز نجوم الكوميديا في تاريخ الفن المصري، والذي ترك وراءه إرثًا فنيًا امتد بين السينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة، وحفر من خلاله اسمه في ذاكرة الجمهور.
حكاية فؤاد المهندس مع نجيب الريحاني
ورغم الشهرة الواسعة التي حققها "الأستاذ" على مدار مشواره، فإن جانبًا مهمًا من تكوينه الفني والإنساني ارتبط بعلاقته بالفنان الراحل نجيب الريحاني، الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد نجم كبير أعجب به، وإنما كان أستاذًا ومدرسة فنية تعلم داخلها الكثير من أسرار المهنة وقيمها.
بدأت حكاية فؤاد المهندس مع نجيب الريحاني عندما كان طالبًا في كلية التجارة، حيث ذهب إليه في مكتبه للحصول على حديث صحفي، وحكى المهندس عن هذا اللقاء في أحد حواراته التليفزيونية قائلًا: "روحت عشان أخد منه حديث، وروحت أوضة مكتبه، وفضلت واقف باصص ليه ومتكلمتش، قالي إنت مين قولتله تلميذ في كلية التجارة، عايز أي؟ وأخبرته أنا جاي أخد من سيادتك حديث ظريف فخدت منه الحديث".
لكن اللقاء لم ينته عند هذا الحد، إذ تشجع فؤاد المهندس وطلب من الريحاني أن يشارك في عرض مسرحي لفريق مسرح كلية التجارة، إلا أن الريحاني أخبره في البداية بأنه مشغول، فما كان من المهندس إلا أن رد عليه بثقة: "إحنا رجالة وبنعتمد على نفسنا".
وبعدها اختار نجيب الريحاني للفريق رواية "حكاية كل يوم"، ليرى ما الذي يستطيع هؤلاء الطلاب تقديمه، وبالفعل تولى فؤاد المهندس إخراج المسرحية وتقسيم الأدوار على زملائه، ليتمكن فريق مسرح كلية التجارة من الفوز بكأس يوسف وهبي لأول مرة، ومن هنا بدأت علاقة أستاذ بتلميذه، استمرت وتركت أثرًا واضحًا في مشوار المهندس الفني.
تأثير الريحاني
ولم يكن تأثير الريحاني على فؤاد المهندس مجرد إعجاب بفنان كبير، وإنما كان مدرسة فنية متكاملة، ففي بداية علاقتهما كان الريحاني يناديه بـ"التلميذ"، ولم يكن يتذكر اسمه رغم أن المهندس كان حريصًا على توصيله إلى المطار واستقباله في كل مرة، حتى جاء أحد اللقاءات التي أصر فيها المهندس على أستاذه أن يتذكر اسمه، ومنذ ذلك الوقت بدأ الريحاني يناديه "فؤاد".
وكان فؤاد المهندس من القلائل الذين سمح لهم نجيب الريحاني بالوقوف خلف الكواليس ومتابعة عروضه عن قرب، وهي التجربة التي اعتبرها المهندس مدرسة حقيقية تعلم منها الكثير، وقال عن تلك الفترة: "أنا اتربيت في مسرح نجيب الريحاني، وشوفت كل النجوم هناك زي حسن فايق، وماري منيب، وميمي وزوزو شكيب".
ومن خلال وجوده بين هؤلاء النجوم، تعلم المهندس قيمة العمل الجماعي، وهو ما ظل يؤمن به طوال مشواره الفني، موضحًا: "اتعلمت منهم إن محدش فيهم كان بيقول أنا لوحدي ولا إنه يحاول يظهر نفسه بس، فخدت منهم عدم الأنانية في العمل".
كما تعلم فؤاد المهندس من الريحاني كيف يتعامل الفنان مع العمل باعتباره مسؤولية وقيمة، وليس مجرد وسيلة للشهرة، فقال عنه: "أخدت من الريحاني تقل العمل بتاعه، والقيمة بتاعته".
ولم يتوقف تأثير الريحاني عند الأداء التمثيلي، إذ كشف المهندس أنه تعلم منه كيفية قراءة النص ودراسة الشخصيات والعلاقات بينها، قائلًا: "خدت منه أيضًا إزاي أبص للحوار وأشوفه إزاي حلو وحش، يتعدل ميتعدلش، أشوف الترابط ما بين الشخصيات بعضها وببعض".
وكان فؤاد المهندس يحمل تقديرًا استثنائيًا لأستاذه، حتى إنه أطلق عليه لقب "الهرم الرابع"، في إشارة إلى مكانته الكبيرة في تاريخ الفن المصري، مؤكدًا أن الريحاني كان فنانًا يعرف كيف يبدأ في حل المشكلات ويستعين بمن يستطيعون تنفيذ أفكاره، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في طريقة المهندس في التعامل مع أعماله.
أعمال فؤاد المهندس
وبمرور السنوات، تحول التلميذ إلى واحد من أهم نجوم الكوميديا في مصر، وقدم عشرات الأعمال السينمائية والمسرحية والتليفزيونية والإذاعية التي ظلت حاضرة في ذاكرة الجمهور، من بينها "أرض النفاق"، و"عودة أخطر رجل في العالم"، و"العتبة جزاز"، و"أنت اللي قتلت بابايا"، و"عائلة زيزي"، و"جناب السفير"، و"شنبو في المصيدة".
وعلى خشبة المسرح، قدم المهندس أعمالًا أصبحت من كلاسيكيات المسرح المصري، منها "سيدتي الجميلة"، و"حواء الساعة 12"، و"السكرتير الفني"، و"إنها حقًا عائلة محترمة"، و"سك على بناتك"، و"عشان خاطر عيونك"، و"هالة حبيبتي"، و"أنا وهو وهي".
كما امتدت موهبته إلى الغناء وتقديم المنولوجات وفوازير رمضان، إلى جانب أعماله التليفزيونية، وبرنامجه الإذاعي الشهير "كلمتين وبس"، ليصبح واحدًا من الفنانين الذين استطاعوا ترك بصمة في أكثر من مجال.
ورغم رحيل فؤاد المهندس، ظل تأثير نجيب الريحاني حاضرًا في كثير مما قدمه، وكأن التلميذ حمل معه دروس أستاذه طوال رحلته الفنية؛ من احترام قيمة الفن، إلى الالتزام، ودراسة الشخصية، والعمل الجماعي، والابتعاد عن الأنانية.