لم تعد الشائعة في عصر المنصات الرقمية مجرد خبر كاذب ينتشر بالصدفة، وإنما تحولت لدى جماعة الإخوان الإرهابية وأبواقها الإعلامية إلى أداة منظمة تستهدف الوعي قبل أن تستهدف الخبر، وتسعى إلى ضرب الثقة في مؤسسات الدولة قبل الدخول في مواجهة مباشرة معها.
ومن هنا تبدو المعركة الحقيقية أوسع من مجرد تفنيد معلومة مغلوطة، إنها معركة على طريقة المواطن في فهم ما يراه ويسمعه، وعلى قدرته على التمييز بين المعلومة والتحريض، وبين الخبر والرواية المصنوعة لخدمة هدف سياسي.
من الشائعة إلى «الرواية البديلة»
تعتمد منصات الجماعة الإرهابية على إعادة صياغة الوقائع بصورة تخدم روايتها، فلا تتعامل مع الحدث باعتباره مادة إخبارية تحتاج إلى التحقق، وإنما باعتباره نقطة انطلاق لبناء قصة مكتملة العناصر، تبدأ بمعلومة مبتورة، ثم تضيف إليها تفسيرًا، ثم تربطها بسياق سياسي، قبل أن تقدمها للجمهور باعتبارها حقيقة لا تقبل النقاش.
وتكمن خطورة هذه الآلية في أن المتلقي قد ينسى أصل القصة، لكنه يتذكر الرواية التي تكررت أمامه عشرات المرات، وهنا تحديدًا تصبح كثافة التكرار جزءًا من صناعة التأثير، فالمعلومة الكاذبة لا تحتاج في بعض الأحيان إلى دليل بقدر ما تحتاج إلى إعادة نشر مستمرة، وحسابات متعددة، وعناوين مثيرة، ومقاطع مجتزأة قادرة على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين.
«التكرار» سلاح الجماعة في معركة الوعي
وتراهن منصات الجماعة على أن التكرار يصنع الألفة، وأن الألفة قد تتحول لدى البعض إلى تصديق، لذلك لا تتوقف عند نشر رواية واحدة، وإنما تعيد تدويرها بصيغ مختلفة: عنوان جديد، مقطع قديم، صورة خارج سياقها، تعليق منسوب إلى مصدر مجهول، أو منشور يعيد تقديم ادعاء سبق نفيه.
وهكذا تتحول الشائعة إلى كرة ثلج، كل منصة تضيف إليها تفصيلًا، وكل حساب يعيد صياغتها، حتى يبدو للمواطن أن هناك «أخبارًا كثيرة» تتحدث عن الواقعة نفسها، بينما الحقيقة أن المصدر الأول قد يكون منشورًا واحدًا جرى استنساخه عشرات المرات.
استهداف مؤسسات الدولة.. الهدف الأكبر
لا تستهدف هذه الحملات شخصًا أو قرارًا بعينه فقط، وإنما تحاول ضرب الثقة في مؤسسات الدولة باعتبارها الركيزة التي يقوم عليها المجتمع، ولهذا تتكرر محاولات تصوير أي أزمة أو خطأ أو واقعة فردية باعتبارها دليلًا على فشل شامل، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والحادث المحدود إلى عنوان دائم عن الدولة ومؤسساتها.
وهنا يظهر الفرق بين النقد المشروع وبين الدعاية الموجهة؛ فالنقد يناقش قرارًا أو سياسة ويبحث عن المسؤولية والحلول، بينما تعمل الدعاية على هدم الثقة بصورة شاملة، بحيث يصبح الهدف النهائي ليس تصحيح خطأ وإنما إقناع المواطن بأن كل ما يصدر عن مؤسسات الدولة محل شك.
الصورة المقتطعة.. والفيديو خارج السياق
ومن أكثر أدوات التضليل انتشارًا إعادة استخدام مواد حقيقية في غير سياقها، فقد تكون الصورة صحيحة، لكن تاريخها مختلف، وقد يكون الفيديو حقيقيًا، لكن المكان أو المناسبة مختلفان، وقد يكون التصريح صادرًا بالفعل، لكن جرى حذف الجملة التي تفسر معناه.
وهذه الطريقة أكثر خطورة من اختلاق مادة من العدم، لأنها تمنح الشائعة جزءًا من المصداقية، فالمتلقي يرى صورة حقيقية أو فيديو حقيقيًا، فيفترض تلقائيًا أن الرواية المصاحبة له صحيحة، بينما يكشف التدقيق أن المشكلة ليست في المادة الأصلية وإنما في السياق الذي جرى تركيبها داخله.
لماذا تخشى منصات الجماعة من «التحقق»؟
لأن الوعي يفسد أهم عناصر الشائعة: فالشائعة تحتاج إلى أن يصدقها المتلقي قبل أن يسأل عن مصدرها، وأن يعيد نشرها قبل أن يتحقق من تاريخ الصورة، وأن يتعامل مع العنوان باعتباره حقيقة قبل أن يقرأ التفاصيل. أما المواطن الذي يتوقف ويسأل: من نشر؟ متى؟ ما المصدر؟ هل هناك بيان رسمي؟ هل نشرت وسائل إعلام موثوقة المعلومة نفسها؟ فهو ببساطة يقطع الطريق على دورة التضليل.
ومن هنا أصبحت مهارات التحقق الرقمي جزءًا أساسيًا من الأمن المجتمعي؛ لأن الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة لاستقبال الأخبار، وإنما أصبح في الوقت نفسه بوابة يمكن أن تدخل منها الشائعة إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.
الوعي يهزم «ماكينة» الشائعات
لا تحتاج مواجهة الشائعات إلى الانفعال بها، وإنما إلى التعامل معها بالمنهج نفسه الذي تُبنى به الحقيقة: التحقق، والمقارنة، والرجوع إلى المصدر الأصلي، وفصل الخبر عن التعليق، وعدم التعامل مع الحسابات المجهولة باعتبارها مصادر إخبارية.
والأهم أن الوعي لا يعني رفض كل ما هو سلبي أو اعتبار كل نقد للدولة شائعة؛ فهذه نقطة جوهرية في أي مواجهة جادة للتضليل. المواطن الواعي هو الذي يستطيع أن ينتقد قرارًا دون أن يسقط في فخ الرواية التي تريد تحويل النقد إلى كراهية للدولة، وهو الذي يطالب بالمعلومات والمحاسبة دون أن يسمح لمنصات مجهولة بأن تحدد له ما يجب أن يصدقه.
عندما تسقط الشائعة أمام الحقيقة
كلما ارتفع مستوى الوعي، فقدت منصات الجماعة إحدى أهم أدواتها: القدرة على احتكار تفسير الحدث. فالمواطن الذي يستطيع الوصول إلى المصادر الرسمية، ومقارنة أكثر من رواية، واكتشاف الصور القديمة والمقاطع المقتطعة، يصبح أقل قابلية للتأثر بالرسائل المصممة لإثارة الخوف أو الغضب.
وهنا لا تصبح مواجهة الشائعة مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية مجتمع كامل. الإعلام المهني عليه أن يقدم المعلومة في توقيتها وبوضوح، والمؤسسات المعنية عليها سرعة الرد على المعلومات المغلوطة، والمنصات الرقمية مطالبة بالتحقق قبل إعادة النشر، والمواطن نفسه يظل الحلقة الأهم في هذه المنظومة.
المعركة الحقيقية ليست مع «خبر كاذب».. وإنما مع عقل يصدقه
إن أخطر ما في ماكينة الشائعات الإخوانية ليس قدرتها على اختلاق الأكاذيب، وإنما محاولتها تحويل الكذب المتكرر إلى واقع ذهني. ولذلك فإن إسقاط هذه المنظومة لا يتحقق بملاحقة كل منشور على حدة، وإنما ببناء وعي يجعل المواطن قادرًا على اكتشاف أدوات التضليل قبل أن يقع ضحيتها.
فالشائعة قد تنتشر في دقائق، لكن الحقيقة تصبح أقوى حين يمتلك المجتمع أدوات الوصول إليها. وكلما ارتفع الوعي، تراجعت قدرة منصات الفتنة على صناعة الخوف، وتهاوت محاولات ضرب الثقة في مؤسسات الدولة، وأصبح المواطن نفسه هو خط الدفاع الأول في مواجهة ماكينة التضليل، ففي معركة الوعي، لا يكفي أن تكون الشائعة كاذبة.. الأهم أن يكون المجتمع قادرًا على اكتشاف كذبها.