في واحدة من الحكايات الإنسانية التي يصعب تصديقها، عاد رجل مسن إلى أسرته بـ محافظة أسوان، بعد غياب دام 35 عامًا كاملة، عاش خلالها بعيدًا عن زوجته وأبنائه الثمانية، دون أن يعرف أحد مكانه أو مصيره، حتى اعتقدت أسرته أنه فارق الحياة، واستخرجت له شهادة وفاة، بل وقسمت ميراثه، قبل أن تكشف الصدفة أن الأب الذي غاب في ظروف غامضة لا يزال على قيد الحياة.
إنها قصة مصطفى سالمان السرورابى، ابن قرية منيحة التابعة لمركز كوم أمبو، الذي اختفى عن أنظار أسرته ومجتمعه وهو في نحو الخمسين من عمره، لتبدأ رحلة طويلة من الانتظار والبحث، انتهت بعودة الأب إلى منزله وهو في الخامسة والثمانين، وسط فرحة أسرته وأحفاده، وحالة من الدهشة عاشها الرجل الذي لم يعد يتعرف على ملامح بيته القديم.
اختفى فجأة.. والأسرة تستخرج شهادة وفاته
يروى محمد محمود كرار، ابن عمومة مصطفى سالمان السرورابى، تفاصيل القصة لـ"اليوم السابع"، موضحًا أن مصطفى اختفى منذ نحو 35 عامًا، ولم يكن لدى أسرته أو زوجته أو أبنائه أي معلومات عن مكانه أو مصيره.
ويضيف أن الأسرة انتظرت سنوات طويلة، وبعد مرور نحو 4 سنوات على غيابه، ومع انقطاع أخباره تمامًا، اعتبرته في عداد المفقودين، حتى جرى استخراج شهادة وفاة له، ثم قُسم ميراثه بين أبنائه، بعدما ظن الجميع أن الأب لن يعود مرة أخرى.
وخلال تلك السنوات، واصلت الزوجة مسؤولية تربية الأبناء ورعايتهم، دون أن تتزوج بعد غياب زوجها، لتتحمل أعباء الأسرة وتتابع حياتها في ظل غياب الأب الذي لم يكن أحد يعرف أين انتهت به الرحلة.
جار عاش بينهم 35 سنة.. ولا أحد يعرف أصله
على الجانب الآخر، كان مصطفى يعيش في محافظة بني سويف، وتحديدًا بمركز ببا، حيث أقام في مسكنه وحيدًا طوال سنوات طويلة، دون زوجة أو شريك، وأصبح معروفًا لدى جيرانه الذين عاش بينهم بالود والمحبة.
كان الرجل يصلي في المسجد، ويتعامل مع الأهالي، ويبيع ويشتري مثل أي شخص يعيش في المنطقة، لكنه لم يكن يتحدث كثيرًا عن ماضيه، ولم يعرف جيرانه تفاصيل مولده أو البلدة التي ينتمي إليها، فظل أصله مجهولًا بالنسبة لمن حوله طوال تلك السنوات.
ومع تقدمه في العمر، تدهورت حالته الصحية، حتى لاحظ الجيران أنه يعاني تعبًا شديدًا، وأصبح في حالة صحية متأخرة، خاصة مع وصول عمره إلى 85 سنة، الأمر الذي دفعهم إلى محاولة معرفة حقيقة هذا الرجل الذي عاش بينهم كل هذه المدة وخوفاً من أن يأتيه الموت دون أن يعلم أهله بذلك.
شهادة ميلاد تكشف مفتاح الوصول إلى أسرته
بدأ الجيران في البحث داخل الأوراق الخاصة بمصطفى، الموجودة في مسكنه، لعلهم يجدون ما يكشف هويته أو يساعدهم في الوصول إلى أسرته.
وبالفعل، عثروا على شهادة ميلاد تحمل بيانات تشير إلى أنه من محافظة أسوان، مركز كوم أمبو، قرية منيحة، لتبدأ من هنا خيوط قصة العودة بعد غياب 35 عامًا.
وكثف الجيران اتصالاتهم، وانتقلوا من شخص إلى آخر، ومن معلومة إلى أخرى، حتى تمكنوا من الوصول إلى أقارب مصطفى وأسرته، وأبلغوا أبناءه بأن والدهم لا يزال على قيد الحياة، وأنه كان يعيش بينهم طوال تلك السنوات، دون أن يعرفوا أصله أو عائلته.
الأبناء شكوا في الخبر.. ثم تأكدوا أن والدهم حي
في البداية، لم يكن الأمر سهلًا على أبناء مصطفى، فقد اختفى والدهم وهو في نحو الخمسين من عمره، ومرت أكثر من ثلاثة عقود على غيابه، كما أن الأسرة كانت قد استخرجت له شهادة وفاة وقسمت ميراثه، ولذلك قابلوا الخبر الأول بشيء من الشك وعدم التصديق واعتقدوا أن الأمر قد يكون احتيال ومحاولة عملية نصب تدبر لهم.
لكن مع تكرار الاتصالات، وتقديم المعلومات الخاصة بالرجل، والتواصل مع أحد الجيران ويدعى أشرف، بدأت الحقيقة تتضح أمام الأسرة، حتى تأكدوا أن الرجل المسن الذي يعيش في بني سويف هو والدهم الغائب.
وسافر أفراد الأسرة إلى بني سويف لإحضار والدهم، بعد أن تحولت سنوات الانتظار والحزن إلى حقيقة لم يتوقع أحد أن يعيشها من جديد: الأب الذي اعتقدوا أنه مات لا يزال حيًا، وينتظر من يعيده إلى بيته وأبنائه.
"معرفتش شكل بيتى".. الأب يعود إلى منزله بعد 35 سنة
عاد مصطفى سالمان السرورابى إلى أسرته في أسوان بعد غياب 35 عامًا، وهو في حالة صحية متأخرة، ويخضع حاليًا للرعاية الطبية والصحية والغذائية من جانب أسرته، التي تحاول تعويضه عن سنوات الغياب، وتوفير ما يحتاج إليه في هذه المرحلة من عمره.
وعلى الرغم من أن الأب المسن لم يكن يتحدث كثيرًا، فإنه عبّر عن فرحته الكبرى بالعودة إلى أبنائه، خاصة أنه افتقد أبناءه الثمانية، 4 ذكور و4 إناث، كما حزن عندما علم بوفاة إحدى بناته خلال فترة غيابه، بينما كانت فرحته كبيرة عندما شاهد أحفاده الذين لم يكن قد التقاهم من قبل.
وحين عاد إلى المنزل، لم يستطع التعرف على شكله القديم، وقال متعجبًا: "أين منزلي؟ كيف تغير من منزل بسيط مبني بالطوب اللبن إلى منزل حديث؟.. معرفتش شكل بيتي".
كما وجه الأب الشكر لزوجته، التي تولت تربية أبنائه طوال فترة غيابه، ولم تتزوج بعده، وظلت قائمة على رعاية الأسرة حتى عاد إليها بعد كل هذه السنوات.
الأسرة تشكر الجيران.. والصدفة تعيد الأب إلى أبنائه
توجهت أسرة مصطفى سالمان السرورابى بالشكر إلى الجيران في مركز ببا بمحافظة بني سويف، الذين لم يكتفوا بمعرفة أن جارهم المسن يمر بظروف صحية صعبة، بكن أصروا على البحث عن هويته وأسرته، حتى تمكنوا من الوصول إلى أبنائه وإعادتهم إليه.
وبفضل هذا الاهتمام الإنساني، تحولت قصة رجل عاش 35 عامًا بعيدًا عن أهله إلى لحظة استثنائية من لم الشمل، ليعود الأب إلى أسرته بعد أن ظن الجميع أن الغياب أصبح نهاية الحكاية.
يشار إلى أن تفاصيل هذه القصة رواها محمد محمود كرار، ابن عمومة مصطفى سالمان السرورابى، لـ"اليوم السابع"، مؤكدًا أن عودة الأب إلى أسرته جاءت بعد رحلة غياب طويلة، كشفتها أوراق قديمة واتصالات الجيران، وانتهت بلقاء الأب بأبنائه وأحفاده من جديد.

صورة-المفقود

محمد-محمود-كرار-ابن-عمومة-المفقود

مصطفى-سالمان-بطل-القصة

شهادة-ميلاده

صحفى-اليوم-السابع-مع-أسرة-المفقود