قال الدكتور سيف الدين البشير، المستشار السابق لوزارة الخارجية السودانية والباحث في العلاقات الدولية، إن الميليشيا المتمردة تتراجع بشكل كبير، وتحاول في الوقت نفسه تشتيت انتباه الجيش السوداني ومفاقمة المعاناة الإنسانية في بعض المناطق.
وأوضح المستشار السابق لوزارة الخارجية السودانية والباحث في العلاقات الدولية، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن هذا الأمر مفهوم في سياق تراجع الميليشيا، والصراعات القبلية التي تضربها، والفضائح المتلاحقة المرتبطة بانتهاكاتها وارتكابها الفظائع تجاه الشعب السوداني.
وأضاف أن الميليشيا تصعّد هنا وهناك فقط لتقول إنها ما زالت موجودة، رغم أنها تمضي إلى زوال، بحسب ما يراه المراقبون في العالم. وأكد سيف الدين البشير أن هذا السيناريو يفاقم الأزمات الإنسانية، لكنه أشار إلى أن الوعي الجمعي السوداني يمضي نحو القضاء المبرم على هذه الميليشيا.
النيل الأزرق والنزوح على الحدود الإثيوبية
وحول الأوضاع الإنسانية في إقليم النيل الأزرق، قال البشير إن قرب ولاية النيل الأزرق أو جنوبها من الحدود الإثيوبية، إلى جانب ما وصفه بالتدخلات الإثيوبية والعداءات تجاه السودان، تسبب في تفاقم الأوضاع.
وأوضح أن معظم جهات المراقبة الدولية رصدت هذه التدخلات، مشيرًا إلى أن النازحين لجأوا إلى الحدود الشرقية لقربها وإمكانية تعرض السودان لهجمات من الداخل الإثيوبي. وأضاف أن هذا الأمر فاقم كثيرًا من معاناة المدنيين وأدى إلى موجات نزوح كبيرة جدًا.
وأشار إلى أن شكاوى المنظمات الدولية من قلة التمويل تأتي، من وجهة نظره، في سياق محاولة مفاقمة الضغوط على الإنسان السوداني والدولة السودانية، حتى ترضخ لما تريده قطاعات دولية مناوئة للسودان. وقال إن هذه الأوضاع يمكن قراءتها في ضوء ما وصفه بالعداء الإثيوبي المتكرر تجاه السودان، وقرب ولاية النيل الأزرق من إثيوبيا، وما اعتبره تآمرًا إثيوبيًا على السودان بأكمله.
وأضاف أنه لا يستغرب شكاوى المنظمات الدولية، لكنه أكد أن إمكانيات التمويل متاحة، خاصة مع الاعتراف بأن حرب الميليشيا أدت إلى واحدة من الكوارث الإنسانية.
مصر ودعم وحدة السودان وسيادته
وأكد سيف الدين البشير أن هناك حلولًا معلنة، مشيرًا إلى أن السودانيين يحيون مصر على مواقفها الثابتة الداعمة للإرادة السودانية وسيادة السودان ووحدة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية. وأوضح أن هذا التناغم الإقليمي الداعم للسودان، وعلى رأسه المواقف المصرية، سيؤدي في النهاية إلى إقناع الأطراف الدولية بضرورة قطع أي تدخلات أجنبية في الشأن السوداني لدعم الميليشيا، لا سيما من إثيوبيا ودوائرها.
وقال إن الجيش السوداني لديه خططه، في الوقت الذي تسعى فيه الميليشيا إلى تشتيت اهتمامه، مشيرًا إلى أن الجيش السوداني يتمتع بخبرة لأكثر من قرن، ولديه خططه للعمل في جبهات القتال والقضاء على الميليشيا.
وأكد أن الميليشيا أنهكت إلى حد الانهيار، معتبرًا أن ذلك أمر معلوم، مشيرًا إلى أن الخطى الدبلوماسية بالتوازي مع مواقف الدول الصديقة والشقيقة، وعلى رأسها مصر، ستقود إلى إقناع المجتمع الدولي بضرورة ممارسة الضغوط لتجفيف أي دعم للميليشيا.
وأضاف أن خطط الجيش السوداني تمضي ميدانيًا لتطهير المناطق، وأن الهجمات في منطقة النيل الأزرق تحدث بهذا التواتر لأن الميليشيا تستشعر هزائمها، سواء في شمال كردفان أو مع المضي قدمًا للالتفاف على دارفور وتطهيرها من جيوب التمرد.
الموقف المصري وخطوطه الحمراء
وأوضح البشير أن أبرز التحديات أمام الحل السوداني السوداني تتمثل في التدخل السلبي في الشأن السوداني، وكذلك ما وصفه بعزل المقترحات التي يقدمها المبعوث الأمريكي مسعد بولس أو المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي بشأن السودان.
وفي المقابل، أكد أن الموقف المصري ظل ثابتًا وواضحًا، وأن خطوط مصر الحمراء تتمثل في وحدة السودان، وسيادة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه، والحرص على مؤسساته الوطنية. وأشار إلى أن هذا الموقف المصري لم يتزحزح منذ بدايات الحرب، وظل يوضح للمجتمعين الدولي والإقليمي أن مصر هي الأقرب وجدانيًا وجغرافيًا واستراتيجيًا للسودان، والأدرى بما يجري في الداخل السوداني.
الجهود المصرية ودورها إقليميًا ودوليًا
وقال إن الجميع يضع في الاعتبار الوضع المتقدم لمصر في سياق السياسات الإقليمية والدولية، وصوتها المسموع، مؤكدًا أن الموقف المصري سيؤدي إلى تفكيك بعض المفاهيم الخاطئة.
وأضاف أن لقاء وزير الخارجية المصري مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو يمثل دلالة على رغبة مصر في إيصال رسالتها إلى المسؤولين الأمميين، وكذلك على مستوى علاقاتها الثنائية داخل المنطقة الأوروبية وعلى مستوى العالم.
وأكد أن التأثير المصري على المستويين الإقليمي والدولي سيكون له ما بعده، مشيرًا إلى أن هناك خطين يسيران بشكل متوازٍ، الأول يتمثل في واقع جبهات القتال وتقدم الجيش السوداني وخططه، والثاني يتمثل في مواقف الدول الشقيقة والصديقة، وعلى رأسها مصر ودول الإقليم، إلى جانب الدول على مستوى العالم التي تعلم ما يجري في السودان. وأوضح أن هذا الصوت الثابت والواضح سيمضي إلى إقناع العديد من الكتل الإقليمية والدولية بصواب هذه الرؤية.
مقررات جدة ومسار إنهاء وجود الميليشيا
وأشار سيف الدين البشير إلى أن السودان وضع خطًا واضحًا من خلال مقررات جدة، التي تتضمن وضوحًا بشأن ما يريده السودان، وهو تجميع الميليشيا في معسكرات متفق عليها، ثم اتخاذ الإجراءات تجاهها، على أن تخرج من الأعيان المدنية والمدن والقرى السودانية التي وصفها بأنها غاصبة. وأكد أن هذا المسار ما يزال مطروحًا، معتبرًا أن تراجع الميليشيا وانهيارها سيقود، طوعًا أو كرهًا، إلى هذا الحل في النهاية.