في أقصى الصعيد، وتحديداً بين أزقة إحدى قرى محافظة سوهاج الهادئة التي اعتادت أن تغفو على صوت الطبيعة وتستيقظ على سكينة السعي، بدأت فصول هذه المأساة الحزينة.
فصل أول: زواج الإكراه وتبدد الأحلام
لم تكن القناعة يوماً في قاموس حياة تلك الفتاة الشابة، ولا كان الرضا يجد سبيله إلى قلبها، غير أن طمع أسرتها ورغبتهم الجامحة في تأمين مستقبل مالي على حساب مشاعر ابنتهما، كان الدافع الأساسي لإبرام صفقة زواج غير متكافئة بكل المقاييس.
أُجبرت الفتاة الصغيرة في مقتبل عمرها على الاقتران برجل يكبرها بسنوات طويلة، رجل يمر في خريف العمر بينما هي ما زالت في أول خطوات الشباب.
بالنسبة لعائلتها، كان الزوج صيداً ثميناً ورصيداً بنكياً وممتلكات تضمن الرفاهية، أما بالنسبة لها، فقد كان هذا عقد الزواج بمثابة سجن اختياري كتم أنفاس أحلامها، وقضى على أي أمل في حياة عاطفية متوازنة.
مرت السنوات ثقيلة بطيئة على الزوجة الشابة، وأنجبت خلال تلك الفترة طفلاً كان يفترض أن يكون الحبل الذي يربط بين أركان هذا البيت ويضفي عليه الدفء، لكن سنوات العشرة المتواصلة لم تنجح في ردم الفجوة النفسية والعمق الفكري بين زوجين لا يجمع بينهما سوى جدران صامتة.
استحالت الحياة بينهما إلى حلبة من المشادات والنزاعات اليومية المستمرة، وازداد الجفاء عمقاً مع اضطرار الزوج للسفر المتكرر وطول غيابه عن منزل الزوجية بحثاً عن لقمة العيش وتدبير مصاريف الأسرة، وهو الغياب الذي فتح أبواب الشيطان وسهل تسلل الخديعة إلى هذا البيت المتهالك.
فصل ثانٍ: شباك الخيانة والتخطيط للجريمة
في غياب الزوج وبحثها عن السراب، تعرفت الزوجة على شاب يصغرها في السن، وجدت فيه ما توهمت أنه البديل الذي سيعوضها عن سنوات الجفاء والوحدة.
سرعان ما تطورت العلاقة من مجرد حديث عابر إلى شبكة من الاتصالات المحرمة، ثم إلى لقاءات آثمة سريّة استضافها منزل الزوجية نفسه خلال فترات غياب الزوج المسافر.
مع مرور الأيام والتمدد السرطاني لهذه العلاقة، تبلورت في ذهني الحبيبين فكرة التخلص من الزوج الذي بات من وجهة نظرهما العائق الوحيد الذي يحول دون استقرار علاقتهما والاستئثار بكل أمواله وممتلكاته.
تسللت فكرة القتل إلى عقليهما كحل أخير ومثالي ليصفو لهما الجو وتخلو لهما الحياة، وبدأ الطرفان يتدارسان سيناريوهات مختلفة لإتمام الجريمة دون ترك أي أثر يربطهما بها.
فصل ثالث: ليلة الحادثة والبشاعة التي تلتها
وفي الليلة الموعودة، كان الصديق يتواجد بالفعل داخل شقة خليلته يقضيان وقتاً محقوراً، لكن القدر أعد لهما مفاجأة لم تكن في الحسبان؛ إذ عاد الزوج على نحو غير متوقع من سفره الطويل ليكسر هدوء الليل بقرع الباب.
تملّك الرعب قلب الزوجة وصديقها، وفي لحظات خاطفة من الارتباك، قادت الزوجة خليلها للاختباء داخل خزانة الملابس "الدولاب" المجاورة لسرير النوم، ودعت زوجها للدخول متظاهرة بالترحاب والشوق الفاتر.
دخل الزوج المنهك من عناء السفر وطول الطريق، ولم يستشعر خطراً يتربص به، وما هي إلا دقائق معدودة حتى استغرق في نوم عميق.
في تلك اللحظة الحاسمة، انفتحت دلف خزانة الملابس ليخرج الصديق من مكمنه في هدوء قاتل، وتسلل الاثنان جنباً إلى جنب نحو الجسد الهامد الممدد على الفراش.
وبدم بارد تحرد من أي ملمح إنساني، انقضا عليه وتشاركا في خنقه وكتم أنفاسه لعدة دقائق طويلة حتى توقفت حركة جسده تماماً وفاضت روحه إلى بارئها.
ولم تتوقف بشاعة الواقعة عند حد إنهاء حياة إنسان غدراً؛ بل تجرد المتهمان من أدنى مشاعر النخوة والإنسانية عقب تأكدهما من وفاته، حيث قاما بمباشرة علاقة آثمة بجوار الجثة الهامدة الملقاة على الأرض، ثم جلسا جنباً إلى جنب أمام شاشة التلفاز يتابعان أحداث مسلسل "ريا وسكينة" في المشاهد التي تتحدث عن القتل والتخلص من الجثث، في تجسيد صارخ لبلادة الحس وقسوة القلب.
فصل رابع: كشف الساتر وقبضة العدالة
مع خيوط الفجر الأولى، بدأت الزوجة في تنفيذ الجزء الأخير من خطتها الشيطانية؛ حيث ملأت الشارع بصراخها وعويلها المستغيث بالجيران، وادعت أمام الأهالي والمارة أن لصوصاً مجهولين اقتحموا المنزل ليلاً بقصد السرقة، وعندما شعر بهم الزوج قتلوه وفروا هاربين بالمسروقات.
إلا أن رجال المباحث بمديرية أمن سوهاج، وبفضل الحس الأمني الخبير، لاحظوا تضارباً وتناقضاً واضحين في أقوال الزوجة خلال المعاينة الأولية ومسرح الجريمة، فضلاً عن عدم وجود أي آثار لاقتحام خارجي للنوافذ أو الأبواب.
وبكشف ملابسات الواقعة وتكثيف التحريات الدقيقة وتنسيق جهود قطاع الأمن العام، انهار الساتر الزائف الذي اختبأت خلفه الزوجة.
سقطت الزوجة وصديقها في قبضة رجال الأمن، وبمواجهتهما بالأدلة الدامغة والتحريات، انهارا واعترفا تفصيلياً بارتكاب الجريمة النكراء، محددين دورهما في الخنق والتمثيل بحرمة الموت، ليتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيث انتهى الأمر بالإعدام شنقا.
جاء ذلك في بودكاست خلف الأسوار مع محمود عبد الراضي على لسان اللواء خالد الشاذلي الخبير الأمني الذي استعاد تفاصيل جريمة مر عليها عدة سنوات.
