لا تقتصر العلاقات الثقافية المصرية السعودية على الفعاليات واللقاءات الرسمية، وإنما تمتد إلى ساحات معارض الكتاب التي أصبحت واحدة من أبرز مساحات التفاعل المباشر بين الناشرين والمثقفين والقراء في البلدين، فمن خلال هذه المعارض تتنقل الكتب والأفكار، ويلتقي المبدعون، وتتسع مساحات التعاون في مجالات النشر والترجمة والأدب والمعرفة. وبينما يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب إصدارات ومؤسسات ثقافية سعودية، تحضر دور النشر المصرية بقوة في معارض المملكة، وعلى رأسها معرض الرياض الدولي للكتاب، بما يجعل الكتاب أحد أبرز الجسور الثقافية التي تعكس عمق العلاقات بين القاهرة والرياض.
الكتاب المصري حاضر بقوة في معارض السعودية
تحظى المشاركة المصرية في معرض الرياض الدولي للكتاب بأهمية خاصة، إذ تتم بالتنسيق مع اتحاد الناشرين المصريين، الذي يتولى دعم دور النشر المشاركة ومتابعة عمليات شحن الكتب ووصولها إلى المملكة، بالتعاون مع اتحاد الناشرين العرب، وهو ما أكدته إدارة معرض الرياض في تصريحات سابقة لـ«اليوم السابع» خلال دورة 2025.
وبذلك يمكن تقديم المشاركة المصرية باعتبارها أحد أوجه القوة الناعمة للثقافة المصرية؛ فالكتاب المصري لا يصل إلى القارئ السعودي باعتباره منتجًا ثقافيًا فحسب، وإنما يحمل معه جانبًا من تاريخ الأدب المصري وتنوعه وتجربته الممتدة في مجالات الرواية والشعر والفكر والنقد والترجمة.
السعودية في معرض القاهرة الدولي للكتاب
وعلى جانب آخر تكشف المشاركات السعودية المتكررة في معرض القاهرة الدولي للكتاب أن العلاقة الثقافية بين مصر والسعودية لا تتوقف عند حدود المشاركة في فعالية سنوية، وإنما تتجه إلى بناء جسور مستمرة في النشر والترجمة والأدب واللغة والمعرفة، وقد شاركت الملحقية الثقافية السعودية بالقاهرة في جناح المملكة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته 57، خلال الفترة من 21 يناير الجاري وحتى 3 فبراير 2026، والذي نظمته هيئة النشر والأدب والترجمة بالمملكة، بمشاركة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والمرصد العربي للترجمة، والمختبر السعودي للنقد، وجمعية النشر، وذلك وفق ما ذكره موقع وزارة التعليم السعودية.
كما شاركت مكتبة الملك فهد الوطنية في جناح المملكة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 56، وقدمت المكتبة في ذلك العام لزوار المعرض مجموعة من الصور التاريخية التي توثق زيارات ملوك المملكة العربية السعودية إلى جمهورية مصر العربية، بدءًا من زيارة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله -، إلى جانب عرض مسكوكات تاريخية من خلال فيديو شامل يُبرز جزءًا من إرثنا الثقافي والفكري.
وهدفت مكتبة الملك فهد الوطنية من خلال تلك المشاركة إلى تعريف الزوار بتاريخ المملكة وإنتاجها الفكري، وتوثيق علاقاتها الثقافية مع جمهورية مصر العربية، كما سعت إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الثقافية في البلدين، وتسليط الضوء على إرث المملكة من المخطوطات والكتب العلمية والصور التي تُجسد تاريخ المملكة، وكانت هذه المشاركة هي واحدة من عدة مشاركات سابقة للمكتبة في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
وتهدف المشاركة السعودية المتميزة إلى إبراز الهوية الثقافية للمملكة، وعرض الإنتاج الثقافي والفكري السعودي، وتوسيع آفاق التعاون الثقافي والمعرفي مع دول العالم المختلفة، والتعريف بالثقافة السعودية أمام جمهور كبير من زائري المعرض.
الترجمة.. جسر لنقل الأدب بين البلدين
ولا يتوقف التبادل الثقافي بين مصر والسعودية عند حدود المشاركة في معارض الكتاب، وإنما يمتد إلى حركة الترجمة التي تمثل أحد أهم الجسور لنقل الأدب والأفكار بين الثقافتين، فإتاحة الأعمال الأدبية والفكرية للقارئ في البلد الآخر تفتح المجال أمام التعرف على تجارب المبدعين، وتمنح النصوص فرصة للانتقال إلى جمهور جديد خارج حدودها المحلية.
وتكتسب الترجمة أهمية خاصة في ظل تنوع المشهد الأدبي في البلدين، وتعدد التجارب التي يقدمها الكتاب والمفكرون في مجالات الرواية والشعر والدراسات والنقد وكتب الأطفال وغيرها من فروع المعرفة، وهو ما يجعل التعاون بين المؤسسات المعنية بالنشر والترجمة فرصة لتعزيز حضور الأدب المصري في المملكة، والتعريف في الوقت نفسه بالإنتاج الأدبي والفكري السعودي لدى القارئ المصري.
كما تتيح معارض الكتاب مساحة مهمة للقاء المترجمين والناشرين والمؤسسات الثقافية، ومناقشة فرص التعاون في حقوق النشر والترجمة، بما يسهم في تحويل اللقاءات التي تبدأ داخل أجنحة المعارض إلى مشروعات ثقافية تمتد إلى ما بعدها. ومن هذا المنطلق، لا تصبح الترجمة مجرد وسيلة لنقل الكلمات من لغة إلى أخرى، وإنما أداة للتقارب بين الثقافات، واكتشاف نقاط الالتقاء والاختلاف، وتعزيز الحوار بين المبدعين والقراء في مصر والسعودية.
التاريخ المشترك بين البلدين
فبين القاهرة والرياض لا تنتقل الكتب وحدها، وإنما تعبر معها الأفكار والتجارب والرؤى، لتؤكد معارض الكتاب أن العلاقات الثقافية بين البلدين لا تتوقف عند حدود المشاركة في الفعاليات، بل تتجدد مع كل كتاب يصل إلى قارئ جديد، وكل كاتب يلتقي بجمهور مختلف، وكل ناشر يفتح بابًا لشراكة جديدة. ومن هنا يظل الكتاب واحدًا من أكثر جسور التواصل الثقافي قدرة على الوصول إلى الإنسان، وترسيخ روابط تجمع بين شعبين يمتلكان تاريخًا طويلًا من التفاعل الثقافي والمعرفي.