لم تتوقف العلاقات الثقافية بين مصر والمملكة العربية السعودية عند الطلاب والجامعات والكتب، فقد انتقلت بمرور الوقت إلى مساحة أكثر اتساعًا وتأثيرًا لدى الجمهور، هى الموسيقى والشعر والفنون والمعارض والمهرجانات، وأصبح التفاعل الثقافى بين البلدين حاضرًا فى الأغنية كما هو حاضر فى الكتاب، وفى المسرح والمعارض كما هو موجود فى الاتفاقيات والمؤسسات.
وتكشف أسماء مثل عبدالله الفيصل وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وطلال مداح وبليغ حمدى ومحمد الموجى جانبًا من هذا التداخل، بينما تكشف معارض القاهرة والرياض ومهرجان الجنادرية عن صورة أخرى تحولت فيها الثقافة من علاقات فردية بين المبدعين إلى تعاون مؤسسى واسع.
عبدالله الفيصل.. قصيدة سعودية بصوت أم كلثوم وعبدالحليم
كان الشعر واحدًا من أقوى المساحات التى التقت فيها الثقافتان. فالشاعر السعودى الأمير عبدالله الفيصل تجاوزت قصائده حدود المملكة لتصل إلى أصوات عدد من كبار المطربين العرب، وفى مقدمتهم أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد، إلى جانب أصوات سعودية مثل طلال مداح ومحمد عبده.
وهكذا دخلت القصيدة السعودية إلى ذاكرة الجمهور المصرى والعربى من خلال أصوات كانت فى قلب صناعة الأغنية المصرية، وأصبح الشاعر السعودى حاضرًا داخل واحدة من أكثر المدارس الغنائية تأثيرًا فى القرن العشرين.
ولم يكن هذا الحضور استثناءً عابرًا، بل مثّل جانبًا من تفاعل أوسع جعل الشعر والموسيقى فضاءً مشتركًا بين المبدعين فى البلدين.
طلال مداح يلتقى بليغ والموجى وعبدالوهاب
وفى الاتجاه المقابل، اتصلت الأغنية السعودية بأسماء كبيرة من صناع الموسيقى فى مصر. فقد غنى طلال مداح من ألحان بليغ حمدى ومحمد الموجى، كما تعامل مع محمد عبدالوهاب، ليصبح التعاون مع الملحنين المصريين جزءًا من تجربته الفنية، فى الوقت نفسه الذى احتفظ فيه بصوته وهويته الخاصة باعتباره أحد أبرز مؤسسى الأغنية السعودية الحديثة.
وهنا تبدو العلاقة الفنية أكثر تعقيدًا من فكرة "التأثير" المباشر؛ فالكلمات السعودية وصلت إلى أصوات مصرية، والأصوات السعودية تعاملت مع ملحنين مصريين، بينما وصلت الأعمال فى النهاية إلى جمهور عربى يتجاوز حدود البلدين.
وتختصر هذه الحركة طبيعة التبادل الثقافى بصورة واضحة: مبدعون من الطرفين يعملون داخل مساحة فنية واحدة، دون أن يفقد كل طرف خصوصيته.
الرياض تستعيد الذاكرة المشتركة
وفى عام 2021 استعاد معرض الرياض الدولى للكتاب جانبًا من هذه الذاكرة الفنية، عندما تضمن برنامجه أمسية للأغانى التى كتبها عبدالله الفيصل وغنتها أم كلثوم وعبدالحليم وغيرهما، إلى جانب أمسية للموسيقار المصرى عمر خيرت.
وهكذا لم تعد العلاقة مجرد صفحات من التاريخ الفنى، بل أصبحت مادة يعاد تقديمها للأجيال الجديدة داخل الفعاليات الثقافية السعودية الحديثة.
2015 .. السعودية ضيف شرف معرض القاهرة للكتاب
ومع انتقال العلاقة إلى عصر المؤسسات الكبرى أصبحت المعارض إحدى أهم ساحات الحضور المتبادل. وفى عام 2015 حلت المملكة العربية السعودية ضيف شرف الدورة الـ46 من معرض القاهرة الدولى للكتاب، وقدم البرنامج ندوات وأمسيات كشفت عن حجم الاهتمام المتبادل بين المثقفين فى البلدين.
ومن بين العناوين التى حملها البرنامج "الأدب السعودى بأقلام النقاد المصريين" و"مصر والسعودية فى الذاكرة الثقافية"، إلى جانب أمسيات شارك فيها شعراء وكتاب من الجانبين.
ولم يكن اختيار السعودية ضيف شرف مجرد مشاركة رمزية، بل أتاح للقارئ المصرى مساحة أوسع للاطلاع على الأدب والثقافة والإنتاج الفكرى السعودى.
2017 .. مصر ضيف شرف الجنادرية
وبعد عامين جاءت الصورة المقابلة؛ إذ اختيرت مصر ضيف شرف المهرجان الوطنى للتراث والثقافة "الجنادرية 31" فى المملكة عام 2017.
وافتتح الملك سلمان بن عبدالعزيز الجناح المصرى، الذى قدم ندوات ومحاضرات وفنونًا شعبية وحرفًا يدوية ومعارض للفنون التشكيلية وصورًا من التاريخ والتراث المصرى.
وبذلك أصبحت الثقافة المصرية ضيفًا على الجمهور السعودى، بعد أن كانت الثقافة السعودية ضيفًا على الجمهور المصرى فى القاهرة، فى صورة مباشرة للتوازن الذى تشكل بين المؤسسات الثقافية فى البلدين.
الكتاب يتحرك بين القاهرة والرياض
واستمر حضور دور النشر المصرية فى معرض الرياض الدولى للكتاب، حتى وصفتها وكالة الأنباء السعودية بأنها من أقدم دور النشر العربية التى حافظت على مشاركتها السنوية فى المعرض.
وفى المقابل حافظت المؤسسات والناشرون السعوديون على وجودهم داخل معرض القاهرة الدولى للكتاب، وهو ما حول الكتاب إلى واحد من أكثر عناصر التواصل الثقافى استمرارًا بين البلدين.
ولم يعد الأمر مرتبطًا فقط بوصول كتاب مصرى إلى قارئ سعودى أو العكس، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بحركة الناشرين والمؤلفين والندوات والترجمة واللقاءات المهنية التى تحيط بصناعة الكتاب.
2022 .. العلاقة تدخل مرحلة مؤسسية جديدة
وفى ديسمبر 2022 انتقلت العلاقات الثقافية إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، بعد توقيع مذكرة تفاهم بين وزير الثقافة السعودى الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان ووزيرة الثقافة المصرية آنذاك الدكتورة نيفين الكيلانى.
وشملت المذكرة مجالات متعددة، من بينها التراث والفنون البصرية والفنون الأدائية والأدب والكتب والنشر والزخرفة الإسلامية والمتاحف والتراث العمرانى والحرف، إضافة إلى مشاركة المثقفين والفنانين وتبادل الخبرات والتدريب.
وتكشف هذه المجالات حجم التحول الذى شهدته العلاقة؛ فما بدأ قبل عقود من خلال شاعر ومطرب أو ناشر وكتاب، أصبح اليوم برنامجًا يشمل مؤسسات ومتاحف وفنونًا وتراثًا وترجمة.
2026 .. السعودية فى معرض القاهرة
واستمر الحضور السعودى فى مصر خلال الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2026، من خلال جناح ضم عددًا من المؤسسات السعودية، بينها مجمع الملك سلمان العالمى للغة العربية ومركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضارى.
كما حضرت مبادرة "ترجم" التابعة لهيئة الأدب والنشر والترجمة، فى انعكاس لتحول العلاقة من مجرد تبادل للكتب إلى الاهتمام بصناعة النشر والترجمة والتواصل بين المؤلفين والناشرين.
من الأغنية إلى المؤسسة
تكشف هذه المحطات أن الفن كان واحدًا من أسرع الجسور بين مصر والسعودية وأكثرها قدرة على الوصول إلى الجمهور؛ فقد حملت أصوات مصرية شعرًا سعوديًا، وغنى فنان سعودى ألحان ملحنين مصريين، ثم انتقلت العلاقة إلى المعارض والمهرجانات والمؤسسات.
وأصبحت الثقافة السعودية تقدم نفسها داخل القاهرة، فى الوقت الذى تقدم فيه الثقافة المصرية نفسها فى الرياض ومهرجانات المملكة، ثم تحولت هذه الحركة إلى تعاون يشمل التراث والفنون والمتاحف والكتاب والترجمة.
وبذلك لم تعد العلاقة الثقافية بين البلدين مجرد ذكريات لأغانٍ وكتب قديمة، وإنما أصبحت مساحة حية ومتجددة تتحرك فيها الفنون والأفكار والمبدعون والمؤسسات فى الاتجاهين.