تتوجه أنظار المستثمرين وعشاق الإبداع نحو العواصم الثقافية الكبرى، معلنةً انطلاق "موسم الخريف الفني" فى سبتمبر الجاري، وهو الحدث السنوي الأبرز الذي يشهد عودة كبار جامعي التحف والأعمال الفنية من عطلاتهم الصيفية للدخول في ماراثون من الفعاليات والمزادات الكبرى التي قد يتجاوز حجم تداولاتها ملياري دولار خلال ستة أسابيع فقط، ملوّنةً ملامح السوق الاستثمارية لأشهر قادمة، وفقا لما نشره موقع" news.artnet".
ومن المرتقب أن تنطلق الشرارة الأولى للموسم في منتصف أكتوبر المقبل مع أسبوع "فريز" ومزادات لندن، ليتلوها بأسبوع واحد معرض "آرت بازل باريس"، قبل أن تبلغ الإثارة ذروتها في نوفمبر عبر مزادات نيويورك المرموقة.
وداعاً للمضاربة.. وعودة لعمالقة التاريخ
ويتميز موسم هذا العام بتحول استراتيجي لافت في سلوك المشترين، حيث أرسل هواة جمع الأعمال الفنية المخضرمون رسالة واضحة ومفادها: "التخلي تماماً عن المضاربات المالية وتجنب الصيحات الفنية المؤقتة"، وبدلاً من ذلك، يتجه التركيز الكامل نحو الفن الراسخ والأسماء التي حجزت موقعاً لا يتزحزح في التراث الإنساني.
ولم يقتصر هذا التحول على المستثمرين القدامى، بل امتد لجيل جديد من المشترين الشباب الذين كانوا يركزون سابقاً على الفنون المعاصرة والأسماء الشابة، ومع قيام كبار التجار بطرح أعمال من "السوق الثانوية" لفنانين أكثر عراقة، تبدلت أذواق هؤلاء المشترين الجدد ليتجهوا بقوة نحو اقتناء روائع القرن العشرين.
بيكاسو ووارهول يقودان القفزة السعرية
هذا النضج الاستثماري والفني تسبب في قفزة سعرية ملحوظة للوحات الزيتية والأعمال الورقية لعمالقة الفن الحداثي، وجاء في مقدمة هؤلاء الفنانين بابلو بيكاسو ورينيه ماجريت،روي ليختنشتاين وآندي وارهول،الرسام السريالي الشهير خوان ميرو.
وفي توقيت مثالي يخدم هذا التحول، تخلت أكثر من 30 جهة ومؤسسة كبرى في أمريكا وأوروبا على مدار العام الماضي عن مجموعات ضخمة ومتنوعة من الأعمال الحداثية الهامة، مع توقعات بطرح المزيد منها في مزادات الخريف الحالية.
ويرى خبراء السوق أن المشترين يواجهون اليوم فرصة ذهبية نادرة، فمع توفر روائع فنية كلاسيكية بأسعار تُوصف بالمعقولة، وإقبال عالمي متزايد من مختلف الأجيال والجنسيات، باتت كل المؤشرات تتجه نحو تحقيق انتعاش قياسي وازدهار ملحوظ في بورصة الفن بأسواق لندن ونيويورك خلال الأسابيع المقبلة.
تفاعل متسلسل
أدت النجاحات الأخيرة إلى سلسلة من عمليات البيع الكبيرة غير الأساسية، ومن الأمثلة على ذلك بيع مجموعة لويس في مزاد سوثبى في يونيو مقابل 392.6 مليون دولار ، ومجموعة بولين كاربيداس في سبتمبر الماضي مقابل 136 مليون دولار .
فقد تجاوزت كلتاهما التوقعات المتحفظة بشكل كبير، حيث تجاوزت أسعار الأعمال الأربعة الرئيسية التي قدمت شركتي "آرت بيلكانين" عروضًا لشرائها في مزاد لويس توقعاتنا القصوى بكثير، مما قدم مثالًا واضحًا على التأثير المتسلسل الذي يدفع السوق بقوة إلى الأمام.
انتعاش الفن الأمريكي
توقعات بانتعاش الفن الأمريكي في نوفمبروتشير التوقعات بقوة إلى أن أسواق الفنانين الأمريكيين البارزين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ستشهد قفزة وانتعاشاً ملحوظاً في نوفمبر المقبل بأسواق نيويورك.
وتتجه أنظار المراقبين لمتابعة ما إذا كانت أسعار أعمال "روي ليختنشتاين" ستستقر، ومراقبة استمرار الصعود السعري لأعمال عمالقة آخرين مثل "آندي وارهول"، و"جوان ميتشل"، و"ويليم دي كونينغ".
ويرى خبراء السوق أن المشترين يواجهون اليوم فرصة ذهبية نادرة، فمع توفر روائع فنية كلاسيكية بأسعار تُوصف بالمعقولة، وإقبال عالمي متزايد من مختلف الأجيال والجنسيات، باتت كل المؤشرات تتجه نحو تحقيق انتعاش قياسي وازدهار ملحوظ في بورصة الفن بأسواق لندن ونيويورك خلال الأسابيع المقبلة.
ندرة المبدعين الحقيقيين
ويفسر الخبراء الارتفاع الكبير الحالي في الأسعار بندرة المبدعين الحقيقيين، ويشير التاريخ إلى أن نحو 120 فناناً فقط نجحوا في تأسيس أو قيادة حركات فنية رئيسية طوال القرن العشرين، بينما لم يصل إلى هذه المكانة القيادية سوى 30 فناناً فقط حتى الآن في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.
المحرك الأساسي للأسعار الفلكية
هؤلاء الرواد القلائل هم المحرك الأساسي للأسعار الفلكية الحالية، وفي هذا السياق، تترقب الأسواق في أكتوبر المقبل عرض تحفتين فنيتين نادرتين ذات قيمة متحفية كبرى لكل من الرائدين بيت موندريان وفاسيلي كاندينسكي في مزاد دار "كريستيز" بلندن.
صرح كيث جيل، نائب رئيس قسم فنون القرن العشرين في دار كريستيز، في بيان صحفي، أن لوحة "التكوين الثالث" لموندريان تُعدّ من آخر الأعمال الفنية التي لا تزال في حوزة أفراد من عام 1920، وهو العام الذي شعر فيه الفنان أنه قد استخلص جوهر الجمال في سلسلة من ثماني لوحات فقط.
ونظرًا للتغيرات الجديدة في أذواق الشراء، ستضع هذه اللوحة هواة جمع الأعمال الفنية المخضرمين والجيل الجديد في منافسة مباشرة.
والسؤال المطروح هو: من سيفوز بها، وبأي ثمن؟
يُذكر أن آخر لوحة عظيمة لموندريان من عشرينيات القرن الماضي عُرضت في مزاد علني كانت من مجموعة إس آي نيوهاوس الشهيرة ، واشتراها جامع أعمال فنية آسيوي جديد بسعر يفوق بكثير الحد الأدنى الذي حددته دار كريستيز للوحة الحالية ، وهو 20 مليون جنيه إسترليني (27 مليون دولار أمريكي).