حين تسقط الرواية الحقيقية، تبدأ صناعة رواية بديلة، وحين تفقد المظلومية القديمة قدرتها على جذب التعاطف، تظهر أدوات جديدة قادرة على إعادة إنتاجها في صورة أكثر إقناعا وأشد خطورة.
هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى ملعب الدعاية الإخوانية باعتباره سلاحا رقميا يمكن توظيفه لصناعة مشاهد لم تقع، وأصوات لم تقل ما نسب إليها، وصور تمنح قصة مختلقة ملامح الحقيقة، لتتحول المظلومية من مجرد رواية يتم تكرارها إلى واقع رقمي مصطنع يمكن إنتاجه خلال دقائق.
المظلومية.. السلعة الأقدم بثوب تكنولوجي جديد
لسنوات، اعتمد خطاب الإخوان الإرهابية على تقديم التنظيم وأعضائه باعتبارهم ضحايا دائمين، وإعادة تفسير الأحداث من زاوية الاضطهاد والاستهداف، لكن المشكلة أن تكرار الرواية نفسها يفقدها تأثيرها بمرور الوقت، خصوصا أمام جيل يتعامل مع آلاف الصور والمقاطع يوميا.
وهنا تظهر التكنولوجيا كحل دعائي خطير: بدلا من البحث عن صورة حقيقية تخدم الرواية، يمكن تقنيا صناعة صورة من الأساس، فالصورة هنا لا توثق الواقع ولكنها الصورة تصنع واقعا جديدا.
من «قالوا» إلى «رأينا بأعيننا»
كانت الشائعة تحتاج في الماضي إلى قصة يصدقها الناس، أما اليوم فيمكن إلباسها صورة وهذه هي النقلة الأخطر، فالمستخدم قد يشك في منشور مجهول المصدر، لكنه قد يتأثر بصورة تبدو وكأنها التقطت في موقع الحدث، أو فيديو يظهر شخصا حقيقيا يتحدث بصوت يبدو مطابقا لصوته.
تقنيات التزييف العميق واستنساخ الأصوات تجعل إنتاج هذا النوع من المحتوى أكثر سهولة، وهو ما يرفع قدرة أي حملة تضليل على صناعة أدلة بصرية أو صوتية زائفة.
«اصنع الضحية.. ثم اكتب لها الرواية»
هنا يمكن أن تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي من مجرد وسيلة تقنية إلى جزء من ماكينة متكاملة لصناعة التأثير، تبدأ بصورة مصطنعة، ثم يجري نسج سياق كامل حولها، وإلباسها قصة إنسانية مؤثرة، قبل تحميلها برسالة سياسية، ثم دفعها عبر شبكة واسعة من الحسابات لإعادة تداولها وتثبيت الرواية في أذهان الجمهور، وهنا تصبح الصورة المصطنعة قادرة على إنتاج تعاطف حقيقي، رغم أن أصل الحكاية لم يكن حقيقيا من الأساس.
اللجان الإلكترونية.. من إعادة النشر إلى صناعة الانطباع
الخطر لا يتوقف عند إنتاج المحتوى المفبرك، وإنما يمتد إلى الطريقة التي يصل بها إلى الجمهور. فتكرار الصورة أو الرواية نفسها عبر حسابات متعددة وفي توقيتات متقاربة قد يصنع انطباعا زائفا بأن المحتوى واسع الانتشار، وأن كثرة تداوله تعني بالضرورة صحته.
وهنا لا تصبح المعركة قائمة على تقديم دليل يقنع كل مستخدم، وإنما على فرض الرواية بالتكرار من خلال صورة تتكرر، وتعليق يعاد نشره، وفيديو يدور من حساب إلى آخر، حتى تبدو القصة مألوفة للجميع.
وعندما يسمع المستخدم الرواية ذاتها عشرات المرات، قد تتحول في ذهنه من معلومة تحتاج إلى التحقق إلى «حقيقة سمعناها جميعا»، رغم أن انتشارها لا يقدم دليلا واحدا على صحتها.
الذكاء الاصطناعي لا يغير الحقيقة.. لكنه يمنح التضليل وجها أكثر إقناعا
التضليل ليس اختراعا للذكاء الاصطناعي، لكن التكنولوجيا منحت أدواته قدرة أكبر على إنتاج التفاصيل، ومحاكاة الأصوات والصور، وصناعة محتوى يصعب على المستخدم العادي اكتشافه من النظرة الأولى.
وهنا تكمن خطورة توظيف هذه الأدوات في خطاب سياسي قائم على المظلومية فبدلا من الاكتفاء بالقول «نحن ضحايا»، يصبح بالإمكان تقديم صورة توحي بذلك، أو مقطع صوتي يبدو حقيقيا، أو فيديو يمنح الرواية المفبركة مظهرا يوحي بأنها موثقة.