أكد طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن السياسة الخارجية المصرية تنطلق من ثوابت تاريخية راسخة ترتكز على خفض التصعيد، وتغليب الحلول التفاوضية والدبلوماسية، ورفض عسكرة النزاعات السياسية أو اللجوء للحلول الفوقية والأحادية الجانب. وأوضح "البرديسي"، في مداخلة عبر فضائية "إكسترا نيوز"، أن اللقاءات التي عقدها الرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش قمة "بريكس" — ولا سيما مع نظيره الإيراني — حملت رسائل حاسمة وواضحة تؤكد حتمية وقف أي اعتداءات تمس سيادة الدول العربية، مشدداً على أن القاهرة تقف دوماً مع مبادئ التعايش المشترك واحترام الشرعية الدولية، وتدين كل أشكال العنف والعدوان المباشر وغير المباشر في المنطقة.
الشراكة المصرية الهندية ونموذج "دبلوماسية التنمية"
وتطرق خبير العلاقات الدولية إلى اللقاء الثنائي الذي جمع الرئيس السيسي برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وبحث سبل رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 12 مليار دولار، مؤكداً أن هذا اللقاء يجسد جوهر "دبلوماسية الإنجازات" التي تنتهجها مصر. وأشار إلى أن القاهرة تعمل على ترجمة التوافقات السياسية والشراكات الاستراتيجية إلى مشروعات استثمارية واقتصادية ملموسة، تستهدف توطين التكنولوجيا المتقدمة، وتطوير نظم المدفوعات، وتعزيز الصناعة المشتركة، بما يخدم رفاهية الشعوب ويفتح آفاقاً تنموية واسعة للبلدين.
الاتزان الاستراتيجي ورفض سياسة الاستقطاب والمحاور
وفنّد "البرديسي" مفهوم الاتزان الاستراتيجي لدى الدبلوماسية المصرية، مؤكداً أنه لا يعني الحياد السلبي أو الوقوف في المنتصف، بل يعبر عن امتلاك القوة والقدرة على التواصل الفاعل مع كافة الأطراف الدولية في آن واحد انطلاقاً من المصلحة الوطنية؛ حيث تحافظ مصر على علاقات متوازنة وممتدة مع قوى متناقضة كالهند وباكستان، وتركيا واليونان وقبرص، وواشنطن وموسكو، وبكين والاتحاد الأوروبي. ولفت إلى أن الرئيس السيسي بمشاركته في "بريكس" لم يختر الشرق ضد الغرب، بل أكد قدرة الدولة المصرية على التحرك بحرية واستقلالية كاملة في القرار السياسي دون الارتهان لأي محور.
تحويل الموقع الجغرافي إلى قيم اقتصادية ومكاسب ملموسة
وأوضح خبير العلاقات الدولية أن ما جرى في مصر منذ عام 2014 من دحر للإرهاب وبناء شبكات بنية تحتية حديثة وموانئ ومطارات ومحاور ربط لوجستية لم يكن بمعزل عن الرؤية الدولية، بل كان توطئة استراتيجية لجني ثمار هذه القوة الدبلوماسية وتحويل المزايا الجغرافية إلى عوائد اقتصادية مباشرة، مضيفاً أن عضوية مصر في تجمع "بريكس" فتحت الأبواب واسعة أمام تدفق الاستثمارات الدولية في قطاعات الطاقة والتجارة والتصنيع وسلاسل الإمداد، مما يعزز مناعة الاقتصاد الوطني ويحمي المصالح الحيوية للدولة.
ريادة صوت الجنوب والدفاع عن العدالة الاقتصادية العالمية
واختتم طارق البرديسي تصريحاته بالإشارة إلى أن مصر أضحت المتحدث الأبرز بلسان قضايا الجنوب العالمي داخل المحافل الدولية الكبرى؛ حيث تتبنى رؤية واضحة تستهدف إصلاح المنظومة الاقتصادية والمالية الدولية، وتيسير سبل تمويل التنمية للدول النامية، وإرساء قواعد العدالة في التجارة العالمية. وأكد أن هذه التحركات تنقل الدبلوماسية المصرية من مرحلة "إثبات الحضور" إلى مرحلة "صناعة التأثير"، بما يرسخ مكانة مصر كركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.