أعاد إعلان دار الثقافة الجديدة حصولها على حق التوزيع الحصرى لإصدارات دار ميريت فتح واحد من الملفات الشائكة فى صناعة النشر، يتعلق بمصير الكتب بعد رحيل صاحب دار النشر، وحدود حقوق الورثة فى التصرف فى المخزون، وما إذا كان انتقال التوزيع إلى دار أخرى يمنحها حق التعامل مع جميع الإصدارات، أم أن الأمر يظل مرتبطًا بالعقود التى أبرمت مع المؤلفين.
وأعلنت دار الثقافة الجديدة حصولها على حق التوزيع الحصرى لكافة إصدارات دار ميريت، التى أسسها الناشر الراحل محمد هاشم عام 1998، وقدمت على مدار سنوات نشاطها مئات العناوين الأدبية والفكرية والثقافية، إلى جانب احتضانها عددًا من التجارب والأصوات الجديدة فى الحياة الثقافية المصرية.
وقالت «الثقافة الجديدة» فى بيانها: «تتشرف دار الثقافة الجديدة بالإعلان عن حصولها على حق التوزيع الحصرى لكافة إصدارات دار ميريت العريقة»، مشيرة إلى أن مئات العناوين من إصدارات الدار ستتاح قريبًا فى مقرها بشارع صبرى أبو علم.
الثقافة الجديدة
ماذا يعنى «التوزيع الحصرى» لإصدارات ميريت؟
النقطة الأساسية فى الإعلان أن دار الثقافة الجديدة تحدثت عن حق التوزيع الحصرى، ولم تعلن حصولها على حقوق النشر أو الملكية الفكرية الخاصة بجميع الكتب التى سبق أن أصدرتها ميريت.
وبالتالى فإن الاتفاق، وفق ما أُعلن حتى الآن، يتعلق بتداول وتوزيع الإصدارات التى تدخل ضمن نطاق الاتفاق، ولا يمكن اعتبار الإعلان فى حد ذاته انتقالًا تلقائيًا لحقوق إعادة طباعة جميع هذه الكتب أو إصدار طبعات جديدة منها.
ويظل تحديد حدود التصرف فى كل عمل مرتبطًا بطبيعة العقد الذى أبرمه صاحبه مع دار ميريت، وما يتضمنه من بنود تتعلق بمدة التعاقد، وحق الطبع والتوزيع، والتعامل مع النسخ المتبقية عقب انتهاء العقد أو وفاة الناشر.
وهنا يجب التفرقة بين مسألتين: توزيع نسخ مطبوعة بالفعل وموجودة فى المخازن بصورة مشروعة، وإعادة طباعة الكتاب أو إصدار طبعة جديدة منه، إذ لا يعنى امتلاك أو توزيع المخزون القائم بالضرورة امتلاك حق إنتاج نسخ جديدة من العمل.
اعتراض يعيد ملف حقوق المؤلفين إلى الواجهة
وأثار الإعلان تساؤلات لدى عدد من المهتمين بصناعة النشر بشأن حدود الاتفاق، وكان من بين أبرز ردود الفعل موقف الروائى أحمد صبرى أبو الفتوح، الذى أكد أن حقوق مؤلفاته تخصه، وأنه لا يوجد، بحسب ما ذكره، عقد سارٍ بينه وبين دار ميريت، محذرًا من التصرف فى أعماله دون الرجوع إليه.
لكن اعتراض أى مؤلف، فى حد ذاته، لا يكفى لحسم الموقف القانونى للنسخ الموجودة بالفعل، إذ يبقى العقد المبرم بين المؤلف والناشر هو العنصر الحاسم فى معرفة حقوق كل طرف ومصير المخزون بعد انتهاء مدة التعاقد.
اتحاد الناشرين: العقد بين المؤلف والناشر هو المرجع
وفى هذا السياق، قال وليد مصطفى، عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين والعرب، لـ«اليوم السابع»، إن تحديد حقوق المؤلف والناشر بعد انتهاء التعاقد يعود بصورة أساسية إلى طبيعة العقد المبرم بين الطرفين، باعتباره الوثيقة التى تحدد كيفية النشر والتوزيع خلال فترة التعاقد، وكذلك مصير النسخ المتبقية بعد انتهائه.
وأوضح وليد مصطفى أن بعض العقود تنص على استمرار توزيع النسخ المتبقية بعد انتهاء مدة التعاقد، بينما قد تنص عقود أخرى على وقف التوزيع أو تسوية وضع المخزون مع المؤلف، ومن ثم لا يمكن وضع قاعدة واحدة تنطبق على جميع إصدارات أى دار نشر.
وأشار إلى أن العقد قد يتضمن كيفية التعامل مع النسخ الموجودة عقب انتهاء العلاقة التعاقدية، سواء باستمرار توزيعها لمدة محددة، أو منح المؤلف حق شراء النسخ المتبقية بسعر التكلفة أو وفق القيمة التى يتفق عليها الطرفان.
ماذا يحدث للكتب بعد وفاة الناشر؟
وبحسب وليد مصطفى، فإن وفاة صاحب دار النشر لا تؤدى تلقائيًا إلى إلغاء جميع الحقوق والالتزامات المتعلقة بالكتب الموجودة لدى الدار، إذ يتوقف الأمر على العقود القائمة وما تتضمنه من شروط.
وأضاف أن الورثة يمكنهم التصرف فى الحقوق التى آلت إليهم بصورة مشروعة، ومنها التعامل مع المخزون الموجود، ما لم تتضمن العقود مع المؤلفين شروطًا تنظم الأمر بطريقة مختلفة، مثل إعادة النسخ المتبقية إلى المؤلف أو انتهاء الحق فى توزيعها عند انتهاء التعاقد.
وفى الحالات التى تظل فيها نسخ من أحد الكتب بعد وفاة الناشر، يرى عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين أن الأفضل أن تتم تسوية الأمر بين الورثة والمؤلف، لتحديد مصير المخزون وكيفية توزيعه، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
هل يحق للورثة الاتفاق مع موزع جديد؟
وأوضح وليد مصطفى أن وجود مخزون من الكتب قد يتيح للورثة الاتفاق مع جهة أخرى لتولى عملية التوزيع، إذا كانت حقوقهم فى هذه النسخ قائمة ولم يوجد فى عقود المؤلفين ما يمنع ذلك.
وأضاف أن أى اتفاق جديد يجب أن يكون واضحًا فيما يخص عدد النسخ الموجودة وطبيعة التعامل معها، حتى تكون حقوق الجهة التى ستتولى التوزيع محددة، ولا يحدث تعارض مع تعاقدات أخرى قد يكون المؤلف أبرمها بعد انتهاء علاقته بالناشر السابق.
وهنا تصبح معرفة عدد النسخ المتبقية من كل عنوان، وطبيعة العقد الأصلى، ومدته، والبنود التى تحكم المخزون عقب انتهاء التعاقد عناصر ضرورية قبل الحكم على الموقف القانونى لكل كتاب.
«ميريت».. رصيد كبير من الكتب ومؤلفون بعقود مختلفة
وتكتسب القضية أهميتها من طبيعة تجربة دار ميريت نفسها، إذ قدمت الدار منذ تأسيسها عام 1998 مئات العناوين لكُتاب وروائيين وشعراء ومفكرين، وارتبط اسمها على مدار سنوات طويلة بحركة النشر المستقل فى مصر.
لكن وجود هذه الكتب تحت اسم دار واحدة لا يعنى أن جميعها تخضع للوضع التعاقدى نفسه، فلكل مؤلف عقده وشروطه، وقد تكون بعض العقود انتهت، بينما تظل أخرى سارية، كما قد تختلف البنود الخاصة بالمخزون والتوزيع وإعادة الطباعة من عمل إلى آخر.
ومن هنا فإن الحديث عن «كافة إصدارات ميريت» من الناحية التجارية لا يعنى بالضرورة وجود وضع قانونى موحد لمئات العناوين.
التوزيع ليس استحواذًا على حقوق المؤلفين
كما أن إعلان دار الثقافة الجديدة تولى التوزيع لا يمكن وصفه، استنادًا إلى الصياغة المعلنة وحدها، بأنه استحواذ على حقوق مؤلفى ميريت أو شراء للملكية الفكرية الخاصة بأعمالهم.
فالدار أعلنت حصولها على حق التوزيع، وهو نطاق يختلف عن حق إعادة النشر والطباعة، بينما تبقى الحقوق المرتبطة بكل مؤلف خاضعة لعقده الأصلى وما آل من حقوق والتزامات بعد انتهاء مدته أو وفاة الناشر.
وفى المقابل، لا يصح أيضًا الجزم بأن اعتراض المؤلف يمنع بصورة تلقائية توزيع أى نسخة تحمل اسمه، إذ قد يتعلق الأمر بنسخ مطبوعة بالفعل بصورة قانونية ويظل التصرف فيها محكومًا بالعقد وظروف ملكية المخزون.
أسئلة لا تزال تنتظر الإجابة
ويبقى إعلان الثقافة الجديدة فاتحًا لعدد من الأسئلة التى تحتاج إلى إجابات تفصيلية، فى مقدمتها: هل يشمل الاتفاق جميع النسخ المتبقية من إصدارات ميريت أم مجموعة محددة منها؟ وما عدد هذه النسخ؟ وما مدة اتفاق التوزيع؟ وهل تمت مراجعة عقود المؤلفين قبل إدراج عناوينهم ضمن المخزون الذى سيجرى توزيعه؟
كذلك يظل السؤال الأهم: ماذا سيحدث عندما تنفد النسخ الموجودة من أحد الكتب؟ إذ ينتقل الأمر عند هذه النقطة من توزيع مخزون قائم إلى مسألة إعادة الطباعة وإصدار نسخ جديدة، وهى مسألة مختلفة ترتبط بحقوق النشر والعقود المبرمة مع أصحاب الأعمال.
وبذلك تتجاوز القضية مجرد انتقال توزيع كتب من دار إلى أخرى، لتفتح ملفًا أكبر حول مصير إصدارات دور النشر بعد وفاة أصحابها، وحدود حقوق الورثة والموزعين، وحقوق المؤلفين، وكيفية التعامل مع آلاف النسخ التى قد تبقى فى المخازن بعد انتهاء عقود النشر.