من البيعة للسلاح.. كيف وضع الإخوان التنظيم في مواجهة الدولة؟.. رحلة جماعة بدأت بالدعوة وانتهت بالتمكين ثم صدام مفتوح مع الشعب.. من «أستاذية العالم» و«التنظيم الخاص» إلى العنف والشائعات وحشد الخارج ضد الدولة

السبت، 12 سبتمبر 2026 06:00 م
من البيعة للسلاح.. كيف وضع الإخوان التنظيم في مواجهة الدولة؟.. رحلة جماعة بدأت بالدعوة وانتهت بالتمكين ثم صدام مفتوح مع الشعب.. من «أستاذية العالم» و«التنظيم الخاص» إلى العنف والشائعات وحشد الخارج ضد الدولة شعار الإخوان

كتب: عزوز الديب

 

لم تكن المواجهة بين جماعة الإخوان الإرهابية والدولة المصرية وليدة اللحظة التي وصلت فيها الجماعة إلى الحكم عام 2012، كما لم يكن سقوطها في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013 نهاية خلاف سياسي عابر بين جماعة وحكومة، وإنما جاءت تلك المواجهة تتويجًا لمسار طويل حملت خلاله الجماعة مشروعًا يتجاوز حدود العمل السياسي التقليدي، ويضع التنظيم بما يملكه من بنية داخلية ومرجعيات ووسائل للولاء في مواجهة الدولة ومؤسساتها كلما اصطدمت أهدافه بقواعد النظام العام.

القصة الأعمق للإخوان تبدأ من سؤال جوهري: ماذا يحدث عندما يوجد تنظيم عقائدي له قيادته الخاصة، ودرجاته التنظيمية، وآليات للسمع والطاعة والبيعة، داخل دولة يفترض أن يكون الدستور والقانون والمؤسسات والمواطنة فيها هي المرجعية الوحيدة للحياة العامة؟

منذ تأسيس حسن البنا لجماعة الإخوان  عام 1928، لم يتشكل التنظيم باعتباره حزبًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، يطرح برنامجًا ويتنافس على أصوات الناخبين ثم يقبل بنتائج الصندوق، وإنما نشأ كتنظيم ذي طبيعة دعوية وفكرية وحركية، سرعان ما اتسع مشروعه ليحمل تصورات تتجاوز الحدود المصرية، وصولًا إلى أفكار ارتبطت بوحدة المسلمين واستعادة الخلافة ثم «أستاذية العالم» وفق الأدبيات المرتبطة بالفكر الإخواني.

التنظيم أهم الدولة 

وهنا كان الفارق الجوهري بين منطق الدولة ومنطق التنظيم؛ فالدولة الحديثة تقوم على رابطة المواطنة، بينما يقوم التنظيم على رابطة عضوية أكثر خصوصية، لها مستويات من الالتزام والسمع والطاعة. ولذلك لم تكن «البيعة» مجرد تعبير رمزي عن الانتماء، وإنما جزءًا من منظومة تنظيمية تمنح الجماعة قيادة قادرة على توجيه أعضائها والحفاظ على تماسك البناء الداخلي.

ومع اتساع التنظيم، لم تعد العضوية مجرد اقتناع فكري أو تأييد سياسي، وإنما أصبحت مسارًا للتكوين والتدرج والالتزام، وهو ما جعل السؤال عن حدود الولاء حاضرًا بصورة دائمة: ماذا يحدث عندما تتعارض مصلحة التنظيم مع قرار الدولة أو مع قواعدها؟

هذا السؤال لم يبقَ نظريًا طويلًا، إذ بدأت العلاقة بين الجماعة والدولة تكشف عن وجه أكثر صدامية مع ظهور «النظام الخاص»، وهو الجهاز السري المسلح الذي ارتبط بالإخوان في أربعينيات القرن الماضي، لتنقل الجماعة بذلك نشاطها من المجال الدعوي والسياسي إلى امتلاك تنظيم سري قادر على استخدام القوة خارج الإطار المؤسسي للدولة.

اغتيال النقراشي يفجر الصدام بين التنظيم والدولة

وجاء اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في ديسمبر 1948 ليكشف خطورة هذا التحول، بعدما أصبح الصراع يتجاوز المنافسة السياسية إلى استخدام العنف ضد أحد رموز الدولة. ولم تعد المسألة مجرد خلاف على النفوذ أو اختلاف في الرؤى، وإنما بات هناك تنظيم يمتلك أدوات لا يفترض أن تكون إلا في يد الدولة ومؤسساتها.

وبعد سنوات قليلة، دخلت المواجهة مرحلة أكثر حدة مع حادث المنشية عام 1954 ومحاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر، لتفتح الجماعة والدولة فصلًا جديدًا من الصدام، امتد لسنوات طويلة، ورسخ واحدة من أكثر الإشكاليات حضورًا في تاريخ الإخوان: هل تسعى الجماعة إلى أن تكون جزءًا من النظام السياسي، أم إلى إعادة تشكيل النظام نفسه وفق مشروعها التنظيمي والفكري؟

ومع تطور الفكر الإخواني، برزت كتابات سيد قطب بما حملته من مفاهيم مثل «الجاهلية» و«المفاصلة» و«العزلة الشعورية»، وهي مفاهيم أصبحت لاحقًا محل نقاش واسع بشأن تأثيرها في تيارات أكثر تشددًا، بعدما أعادت جماعات جهادية توظيف بعض مضامينها لتقديم المجتمع والدولة باعتبارهما في حالة انحراف تستوجب التغيير الجذري.

وبذلك انتقلت فكرة الخصومة في بعض مسارات التيار المتشدد من مجرد معارضة سلطة سياسية إلى إعادة تعريف المجتمع نفسه، وصولًا إلى اعتبار الدولة عقبة أمام مشروع يسعى إلى فرض تصور مغاير على المجتمع. ومن هذا المناخ الفكري خرجت لاحقًا تيارات وتنظيمات أكثر تطرفًا اتخذت العنف وسيلة لتحقيق أهدافها.

ولم يتوقف مشروع الجماعة عند حدود الداخل المصري، إذ تطور وجودها إلى شبكة من الامتدادات خارج الحدود، وبرز مفهوم «التنظيم الدولي» كأحد أبرز ملامح التجربة الإخوانية، لتصبح الجماعة قادرة على نقل جزء من صراعاتها إلى ساحات خارجية، والاستفادة من شبكات إعلامية وسياسية وحقوقية وعلاقات دولية في إدارة معاركها.

وهنا تحولت الأزمة المصرية من شأن داخلي إلى معركة متعددة المسارات؛ فما يبدأ بخلاف داخل مصر يمكن أن ينتقل إلى منصات إعلامية في الخارج، ثم إلى حملات سياسية وحقوقية، قبل أن يتحول إلى محاولة لصناعة ضغط دولي على الدولة المصرية.

وفي السياسة التقليدية، تظل الهزيمة الانتخابية أو خسارة السلطة مرحلة يمكن تجاوزها بالعودة إلى المنافسة، لكن التنظيم العقائدي ينظر إلى خسارة السلطة باعتبارها تهديدًا لمشروع أوسع، وهو ما يفسر تحول الخصومة في بعض مراحل التجربة الإخوانية من منافسة سياسية إلى معركة «نحن أو هم».

وعندما تصبح السياسة معركة وجود، يتراجع النقاش حول البرامج والسياسات لصالح استهداف الخصم ونزع الشرعية عنه، وتتحول الشائعة والتشويه واقتطاع التصريحات من أدوات المنافسة السياسية إلى أدوات ضغط تستهدف إسقاط الثقة في الأشخاص والمؤسسات.

المواجهة تنتقل إلى الفضاء الإلكتروني

وبعد عام 2013، ومع خروج جزء كبير من نشاط الجماعة إلى خارج مصر، اتسع نطاق استخدام المنصات الإلكترونية والقنوات الإعلامية في تقديم رواية معادية للدولة المصرية، واعتمد هذا الخطاب في بعض مساراته على الشائعات والأخبار المضللة والمقاطع المجتزأة وإعادة تدوير وقائع قديمة، لتتحول المعركة تدريجيًا من محاولة التأثير في الرأي العام إلى محاولة إنهاك ثقة المواطن في مؤسسات دولته.

فخطورة الشائعة لا تتوقف عند مدى تصديق المواطن لها، وإنما في قدرتها على التراكم؛ إذ يؤدي تكرار الرسائل السلبية إلى خلق حالة من الشك العام، يصبح معها الهدف النهائي ليس إقناع المواطن برواية واحدة، وإنما دفعه إلى فقدان الثقة في كل الروايات.

وبالتوازي مع ذلك، تعرض عدد من الشخصيات التي وقفت في مواجهة خطاب الجماعة لحملات تشويه ممنهجة، تبدأ أحيانًا بمقطع مبتور أو تعليق، ثم تتحول إلى اتهامات وادعاءات، وصولًا إلى محاولة نقل النقاش من مضمون الموقف السياسي إلى الحياة الشخصية، في محاولة لتحويل الخصم السياسي إلى هدف دائم للحملات الإلكترونية.

لكن الأخطر في مسار ما بعد سقوط حكم الإخوان كان انتقال الصراع من أدوات السياسة والإعلام إلى العنف المسلح.

فمع ظهور تنظيمات مثل «حسم» و«لواء الثورة» وارتباطها بعمليات استهدفت قوات الأمن والقضاء ومسؤولين ومنشآت تابعة للدولة، أصبح الفاصل بين التنظيم السياسي والعمل المسلح أكثر وضوحًا؛ إذ لم يعد الأمر متعلقًا بحزب يخسر انتخابات أو جماعة ترفض سياسة حكومية، وإنما بمحاولات لاستخدام العنف والاغتيالات والهجمات المسلحة لتحقيق أهداف سياسية.

وهنا انتقلت المعركة إلى مستوى مختلف تمامًا: من سؤال «من يحكم؟» إلى سؤال أكثر خطورة يتعلق بأمن الدولة وحياة المواطنين وقدرة مؤسساتها على حماية المجتمع.

كان وصول الإخوان إلى الحكم عام 2012 لحظة فارقة في تاريخ الجماعة؛ فقد انتقلت للمرة الأولى من موقع التنظيم الذي يسعى إلى النفوذ داخل الدولة إلى موقع من يتولى إدارة الدولة نفسها، لتبدأ بذلك المرحلة التي كان يفترض أن تحسم السؤال القديم: هل يستطيع التنظيم أن يضع مشروعه الخاص خلفه عندما يصبح مسؤولًا عن دولة بكل مؤسساتها ومواطنيها، أم أن الوصول إلى السلطة سيكون بداية مرحلة جديدة من محاولة تمكين التنظيم داخل مفاصل الدولة؟

ومن هنا بدأت الحلقة الأخطر في القصة؛ فبدل أن يذوب التنظيم داخل قواعد الدولة، ظهرت مخاوف وصراعات حول محاولة إخضاع مؤسسات الدولة لمنطق التمكين، لتصبح تجربة الحكم نفسها الاختبار الأكبر لطبيعة العلاقة بين الجماعة والدولة، ولتفتح الطريق في النهاية أمام انفجار الصدام الذي انتهى بخروج الملايين إلى الشوارع في 30 يونيو 2013، ثم تدخل القوات المسلحة استجابة للمشهد الشعبي والسياسي الذي تشكل على الأرض، وسقوط حكم الجماعة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة