من الاغتيالات إلى الحظر.. كيف تحولت مواجهات الإخوان مع الدولة المصرية من صدامات سياسية إلى قرارات حاسمة بالحل والمنع ومصادرة الأموال في محطات فارقة امتدت من 1948 إلى 2013؟
منذ ظهور جماعة الإخوان الإرهابية في مصر عام 1928، لم تكن علاقتها بالدولة مستقرة على وتيرة واحدة، فبين فترات من التقارب والتعايش السياسي، ومراحل أخرى من التوتر والملاحقة، ظلت الجماعة تنتقل من موقع إلى آخر بحسب طبيعة اللحظة السياسية.
لكن في ثلاث محطات تاريخية تحديدًا، تجاوز الخلاف حدود المناورة السياسية، ووصل إلى قرارات رسمية استهدفت إنهاء وجود الجماعة في المجال العام، القاسم المشترك بين تلك المحطات لم يكن فقط قرار الحل، وإنما الوقائع التي سبقت كل قرار، والتي ارتبطت في كل مرة بأعمال عنف أو اغتيالات أو أنشطة سرية أو صدام مباشر مع مؤسسات الدولة.
البداية.. حين خرج التنظيم السري إلى العلن
كانت نهاية الأربعينيات أول اختبار كبير لقدرة الدولة على احتواء نشاط الجماعة، خصوصًا مع تنامي نفوذ ما عُرف بـ«النظام الخاص»، وهو تنظيم سري ارتبط بالجناح المسلح للإخوان.
ومع تصاعد الاتهامات المتعلقة بحيازة الأسلحة والمتفجرات والضلوع في أعمال عنف واغتيالات سياسية، قررت حكومة محمود فهمي النقراشي باشا في 8 ديسمبر 1948 حل الجماعة وإغلاق مقارها والتحفظ على ممتلكاتها، إلا أن القرار لم يضع نهاية للمواجهة، فبعد أقل من شهر، قُتل النقراشي باشا داخل وزارة الداخلية على يد عبد المجيد أحمد حسن، الذي كان منتميًا إلى جماعة الإخوان.
وأصبح الاغتيال نقطة فاصلة في العلاقة بين التنظيم والدولة، خصوصًا بعدما حاول حسن البنا التبرؤ من منفذي الحادث عبر بيانه الشهير "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين".
وبعد أشهر قليلة، انتهى الأمر باغتيال البنا نفسه في فبراير 1949 بيد التنظيم الخاص نفسه، لتدخل الجماعة مرحلة طويلة من إعادة ترتيب صفوفها والعمل بعيدًا عن المجال العلني.
يوليو 1952.. الخلاف يتحول إلى مواجهة مفتوحة
لم تستمر الهدنة طويلًا مع قيام ثورة يوليو، فبعد سقوط النظام الملكي، وجدت جماعة الإخوان نفسها أمام سلطة جديدة لها رؤيتها الخاصة لشكل الدولة ومؤسساتها، بينما أرادت الجماعة الاحتفاظ بمساحة واسعة من النفوذ السياسي والتنظيمي.
سرعان ما تصاعد الخلاف، ووصل في يناير 1954 إلى قرار جديد بحل الجماعة، لكن الحدث الذي حسم اتجاه المواجهة وقع في أكتوبر من العام نفسه، فخلال خطاب للرئيس جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 أكتوبر، تعرض لمحاولة اغتيال أُطلقت خلالها ثماني رصاصات.
وبعد أيام، جرى تأكيد حل الجماعة وحظر نشاطها في 29 أكتوبر 1954، ثم بدأت محاكمات عدد من قياداتها أمام «محكمة الشعب»، وانتهت بإعدام ستة من أبرز القيادات، من بينهم عبد القادر عودة ومحمد فرغلي، بينما صدر حكم بالسجن المؤبد على المرشد العام حسن الهضيبي.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح العمل السري هو المسار الرئيسي للجماعة لسنوات طويلة.
ستة عقود من الغياب.. ثم العودة إلى المشهد
مرت عقود قبل أن تستعيد جماعة الإخوان حضورها العلني بصورة واسعة، وصولًا إلى مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011، ثم وصول محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية، لكن تجربة الحكم لم تستمر طويلًا.
ومع أحداث 30 يونيو 2013 وعزل مرسي، دخلت مصر مرحلة جديدة من الاضطرابات السياسية والأمنية، تزامنت مع موجة من أعمال العنف واستهداف منشآت ومؤسسات الدولة.
وفي 23 سبتمبر 2013، أصدرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة حكمًا بحل جمعية الإخوان وحظر أنشطة الجماعة والتنظيمات التابعة لها، إلى جانب التحفظ على الأموال والمقار وتشكيل لجنة لإدارة الممتلكات.
وجاء الحكم في ظل اتهامات للجماعة باستخدام بعض المقار في تخزين الأسلحة والذخائر، والمشاركة في أعمال عنف، فضلًا عن ممارسة نشاط سياسي وتنظيمي بالمخالفة للقواعد القانونية المنظمة للجمعيات الأهلية.
وتحول الحكم القضائي بعد ذلك إلى إجراءات تنفيذية متتالية؛ فشُطبت الجمعية من سجلات وزارة التضامن الاجتماعي في أكتوبر 2013، ثم أعلن مجلس الوزراء في ديسمبر من العام نفسه اعتبار الإخوان تنظيمًا إرهابيًا.
ولم تتوقف الإجراءات عند التنظيم الأم، إذ صدر في أغسطس 2014 حكم نهائي بحل حزب الحرية والعدالة وتصفية أمواله، ليُغلق بذلك المسار السياسي الرسمي الذي خاضته الجماعة بعد وصولها إلى الحكم.
ثلاثة عهود.. والنتيجة واحدة
المسافة الزمنية بين القرارات الثلاثة تكشف حجم التحولات التي مرت بها مصر، من النظام الملكي إلى ثورة يوليو ثم إلى مرحلة ما بعد 30 يونيو، ورغم اختلاف الظروف في كل مرة، فإن القرارات الصادرة في 1948 و1954 و2013 انتهت إلى نتيجة واحدة: إخراج جماعة الإخوان من الإطار القانوني والسياسي، وفرض قيود على نشاطها وأموالها ومقارها.
وبذلك لم تعد قرارات الحل مجرد وقائع منفصلة في سجل الجماعة، وإنما تحولت إلى ثلاث علامات رئيسية في تاريخها، كل واحدة منها جاءت بعد مرحلة تصاعد فيها الصدام مع الدولة إلى مستوى رأت السلطات معه أن استمرار الجماعة بالشكل القائم يمثل تهديدًا للأمن والاستقرار أو مخالفة للقانون.
ومن هنا، فإن تاريخ الإخوان في مصر لا يمكن قراءته فقط من خلال فترات صعود الجماعة أو تراجعها، وإنما أيضًا من خلال اللحظات التي اصطدمت فيها بنيتها التنظيمية والسياسية بالدولة، وانتهت في كل مرة بقرار رسمي يعيد رسم حدود وجودها في المجتمع.